ترامب إذ ينتج الطغاة ويحميهم

لوري كينغ

الخميس 11/10/2018
على الرغم من توسع مصادر الأخبار، وظهور وسائل التواصل الاجتماعي، والأقمار الاصطناعية، يبدو أن هناك قاعدة غير معلنة في وسائل الإعلام الأميركية وهي أنه لا يمكن أن يكون هناك سوى قصة واحدة كبيرة في كل مرة. قبل ثلاثة أسابيع، كان إعصاراً. خلال الأسبوعين الماضيين، كانت تغطية حية لا هوادة فيها وتعليق مستمر على عملية تمرير بريت كافانو إلى المحكمة العليا في مجلس الشيوخ الأميركي في أعقاب شهادة من الدكتورة كريستين بلاسي-فورد، التي تزعم (بشكل موثوق به) أن كافانو اعتدى عليها جنسياً منذ 36 عاماً. 
تستمر هذه القصة الإخبارية في السيطرة على عناوين الأخبار. مجلس الشيوخ مرر كافانو بأغلبية ضيقة إلى المحكمة العليا السبت، وكان الرئيس ترامب يتمتع بالجرأة ليس فقط للسخرية من فورد، بل أيضاً الادعاء بأن الاتهامات الموجهة ضد كافانو كانت خدعاً بدوافع سياسية من قبل "عصابة خطرة يسارية"، "بتمويل من يهودي ثري (جورج سوروس).
بالنسبة للأشخاص أمثالي الذين يراقبون مصادر الأخبار الأجنبية، إلى جانب اللغة الإنكليزية، ظهرت قصة أخرى مزعجة الأسبوع الماضي، لكن حتى الآن لم تظهر بادرة تذكر على إمكانية هيمنتها على الدورة الإخبارية الأميركية: تقارير عن الاختفاء الغامض - والقتل المحتمل والتقطيع - للصحافي السعودي والمقيم في الولايات المتحدة جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في إسطنبول.
تبدو القصة غريبة جداً إلى حد يصعب تصديقها، وحتى هذا الوقت، ما زالت وسائل الإعلام الأميركية تقول إنه "مفقود"، على الرغم من أن وسائل الإعلام العربية تقول (إلى جانب السلطات التركية) إن اغتياله قام به فريق محترف تم إرساله من مدينة الرياض. كانت إدارة ترامب ووزارة الخارجية الأميركية حتى الآن هادئة بشكل غريب حول مصير خاشقجي، مما يدل ببساطة على أنهم "قلقون". إن افتقارهم إلى الغضب، وكذلك التغطية الإعلامية السائدة لهذه القصة، يعد إشارات مزعجة أخرى على الدخول في عصر سريالي.
لم يكن خاشقجي مجرد مُدون معارض مجهول الهوية في سن المراهقة، بل كان شخصية محترمة ومعروفة في بيئة الإعلام والسياسة في العاصمة واشنطن. كان لديه عمود في صحيفة "واشنطن بوست"، 1.6 مليون متابع على تويتر، وتمت مقابلته مؤخراً على برنامج "Hard Talk" في "بي بي سي". كان خاشقجي قد عاش في واشنطن لمدة عام عندما اختفى في القنصلية السعودية في إسطنبول. وكانت لديه إقامة في الولايات المتحدة وكان في منفاه الاختياري من موطنه، بعد أن أزعج ولي العهد محمد بن سلمان، حليف ترامب وصديق جاريد كوشنر المفضل. في بعض تصريحاته الأخيرة، انتقد جماعة بن سلمان، بسبب موقفه من "حكم الرجل الواحد"، واستمرار رعب الحرب في اليمن، وحتى اشتكى من أن بن سلمان كان يتصرف مثل فلاديمير بوتين. إذا كان بن سلمان قد أمر باغتيال خاشقجي، فإن هذا الانتقاد يبدو الآن بمثابة تنبؤ تقشعر له الأبدان، وإذا لم تغير الحكومة الأميركية علاقاتها الودية مع المملكة العربية السعودية، فإنها سترسل رسالة مفادها أن المملكة، مثل إسرائيل، قد وصلت الآن إلى مستوى من التحالف بحيث بات الإفلات من العقاب على الجرائم هو علاوة.
في العالم الجديد الكئيب الذي أنتجه ترامب، فهذا وقت ممتاز لتكون دكتاتوراً قاسياً (أعرب ترامب عن اعجابه بالرئيس الفيليبين دوتيرتي، اعترف بأنه وزعيم كوريا الشمالية كيم "وقعا في الحب"، وبالطبع عرفنا بأن مشاعره تجاه بوتين على شفا العبادة). ومع ذلك، فليس هذا وقتاً رائعاً ليكون المرء صحافياً. في جولاته السياسية شبه اليومية في أماكن مثل مينيسوتا وفلوريدا، لا يزال ترامب يلقي بظلاله على وسائل الإعلام، ليطلق على الصحافيين وكتاب الأعمدة ألقاب مثل "الكذابين"، "أعداء الولايات المتحدة" ، ويتهمهم بنوايا شريرة. إن عدم وجود قضية اختفاء صحافي سعودي معروف جيداً في الولايات المتحدة، على رأس أجندة الإعلام الأميركي أو الرئيس الأميركي، هو علامة أخرى على أننا ننزلق إلى حقبة مخيفة.
ومن المفارقات، أن أحد الصحافيين القلائل البارزين الذين لفتوا الانتباه إلى اختفاء خاشقجي كان توماس فريدمان، كاتب عمود في صحيفة "نيويورك تايمز". ومع ذلك تمكن فريدمان في عموده الذي كتبه بعنوان "الصلاة من أجل خاشقجي"، من نشر أخبار عن اختفاء خاشقجي خاصة به. وبافتراض أن خاشقجي ربما لا يزال على قيد الحياة، عرّض حياة المواطن السعودي للخطر من خلال تحديد خاشقجي كمخبر رئيسي في كتاباته الأخيرة حول السعودية والعلاقات الأميركية- السعودية. لم يكن فريدمان انتقادياً مع بن سلمان، وربما شعر بالحاجة إلى إعادة ضبط نفسه في عملية استهلاك وسائل الإعلام في أعقاب اختفاء خاشقجي. وعلى الرغم من ذلك، لم تساعده نرجسيته وعموده الخاص في ذلك. في هذه الأثناء، عالجت صحيفة "واشنطن بوست"، من جانبها، قضية كاتب عمودها المفقود بملامح صحافية حزينة وبليغة، وتركت عموداً فارغاً تحت اسم خاشقجي في صفحة الرأي الأسبوع الماضي.
إذا كان خاشقجي قد اغتيل حقاً وجرى تقطيعه في القنصلية السعودية في إسطنبول، فإن هذا اليوم سيُعلن يوماً مظلماً ليس فقط للمملكة العربية السعودية تحت القيادة المتهورة لمحمد بن سلمان، ولكن أيضاً المزيد من الغرق في الظلام لإدارة ترامب بسبب تدليلها وتمكينها ودعمها قسوة بن سلمان. كما سيكون بمثابة تذكير آخر بعدم وجود أي شخص آمن في عالم يحظى فيه بالاحترام أشخاص مثل ترامب وبوتين والأسد ودوتيرتي وكيم ونتنياهو وبن سلمان. ربما هذا هو بيت القصيد.
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2018