عندما تغضب تركيا

عائشة كربات

الأربعاء 09/01/2019
"لقد ارتكب خطأ فادحاً جداً. لن نبتلعها"، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لنواب حزب العدالة والتنمية الحاكم في البرلمان الثلاثاء.
كان أردوغان يشير إلى مستشار الرئيس الأميركي لشؤون الأمن القومي، جون بولتون الذي كان يقوم بزيارة رسمية إلى أنقرة لكنه مُنع من لقاء أردوغان. كانت زيارة بولتون تهدف إلى تنسيق الانسحاب الأميركي من سوريا، وهو أمر قد لا يحدث أو إذا حدث، يمكن أن يخلق مشاكل أخرى للمنطقة.
لم يكن أردوغان وحده في غضبه. وقد ذهب مؤيده، زعيم حزب الحركة القومية دولت بهشتلي إلى أبعد من ذلك في مخاطبة نواب حزبه، مشيراً إلى بولتون على أنه "دالتون"، وهو شخصية إجرامية في سلسلة الكتب المصورة "لاكي لوك". "هل أنت بولتون، أو دالتون، أياً كان، نحن لا نتلقى الأوامر، لا منك ولا من رئيسك" انفجر بهشتلي.
ما جعل أنقرة غاضبة هو تصريح بولتون قبل وصوله إلى أنقرة. وقال إن القوات الأميركية لن تغادر شمال شرق سوريا حتى يتم هزيمة "داعش" وحماية المقاتلين الأكراد المتحالفين مع الولايات المتحدة. وأضاف "لا نعتقد أن الأتراك يجب أن يقوموا بعمل عسكري لم يتم تنسيقه بشكل كامل مع الولايات المتحدة ووافقت عليه".
لقد أرهقت أنقرة من خلال تكرارها بأن حليف الولايات المتحدة ليس أكراد سوريا، بل "ميليشيا وحدات حماية الشعب" التي تصادف أن تكون مكونة من الأكراد. بالنسبة لأنقرة، تعد وحدات الحماية مجرد فرع سوري لحزب "العمال الكردستاني" الذي يوجد على قائمة الإرهاب في كلا البلدين.
ومع ذلك، مشكلة تركيا ليست فقط التحذير المتغطرس من بولتون، ولكن أيضا المكان أدلى منه بتصريحه والذي يمسّ أعصاب تركيا: إسرائيل.
أثبت هذا الموقف مرة أخرى لأنقرة صحة ما كان يدور في ذهنها لفترة طويلة: في الواقع فإن ترامب وأردوغان ينسجمان بشكل جيد للغاية. عندما يتحدث الزعيمان، يفهم ترامب تركيا وأردوغان، لكن قرارات الزعماء لا تنفذ لأن المؤسسة الأميركية، حتى حزبه وبعض مساعديه، هم ضد ترامب. إنهم لا يخدمون ترامب بل يخدمون إسرائيل التي تهدف إلى رؤية دولة كردية مستقلة في الشرق الأوسط. ولتركيا أسبابها التي تجعلها تفكر بهذه الطريقة.
في منتصف كانون الأول/ديسمبر، خلال محادثة هاتفية بين أردوغان وترامب، اتخذ الرئيس الأميركي قرار الانسحاب من سوريا، وهي حقيقة أكدها المسؤولون الأميركيون أيضاً. ووفقاً للصفقة بين الرئيسين، فإن تركيا ستقوم بتنظيف بقايا "داعش" وسوف يتوقف الأميركيون عن التعاون مع وحدات حماية الشعب.
في ذلك الوقت، كانت تركيا تكرر وعودها بالتوغل العسكري شرقي الفرات الذي يشكل تهديداً أمنياً لتركيا بسبب سيطرة وحدات الحماية الكردية هناك. كانت أنقرة أيضاً تحذر من أنها ستتخذ مثل هذا الإجراء، حتى وإن كانت تخاطر بمثل هذه الخطوة بحدوث مواجهة بين الجنود الأميركيين والجيش التركي. لكن بعد إعلان الانسحاب، قالت أنقرة إنها ستنتظر حتى يغادر الجنود الأميركيون.
لكن المؤسسة الأميركية تتحدث الآن بلغة مختلف: لا الجدول الزمني ولا الشروط ولا حتى الهدف من هذا الانسحاب واضح تماماً.
أثار بهشتلي شكاً آخر يدور في ذهن كل مسؤول رسمي في أنقرة. ما هي الخطة الحقيقية للولايات المتحدة؟، سحب تركيا أعمق في سوريا تحت ذريعة إنهاء "داعش" ولكن أيضا جعلها تقاتل ضد النظام والقوات الكردية في نفس الوقت؟.
يبدو أن أنقرة استيقظت من حلمها إلى خيبة أمل حقيقية مرة أخرى. أو حتى كابوس.
لأن أنقرة خلال الأسبوعين الماضيين لم تدرك مرة أخرى أن الولايات المتحدة ليست حليفاً فعلياً. هذه الحقيقة نفسها تضعف أنقرة في وجه روسيا وهي أيضاً ليست صديقاً موثوقاً جداً، كما ثبت خلال الأسبوعين الماضيين. لم تتردد موسكو في التوسط بين النظام السوري والوحدات الكردية، على الأرجح على حساب تركيا.
ومع ذلك، سيكون من الخطأ القول إنه في هذه الأجواء، لم تحقق زيارة بولتون إلى أنقرة أي نتائج باستثناء تلك التي أثارها كل من بهشتلي وأردوغان. كرروا مرة أخرى نفس الفكرة القديمة التي كانوا قد علقوا الحديث عنها لمدة أسبوعين فقط: تركيا مستعدة للقيام بعمل عسكري في سوريا ضد المناطق التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب.
إذا، عودة إلى المربع الأول.
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019