صراع حول خروف العيد

عمر قدور

الثلاثاء 13/08/2019
بات مألوفاً على وسائل التواصل الاجتماعي، السورية منها تحديداً، بروز أصوات تسخر من "أو تنتقد" طقس التضحية في عيد الأضحى. أصوات ليست خارج التسييس، بخاصة في السنوات الأخيرة التي احتدم فيها الجدل والخلاف بين العلمانيين والإسلاميين، ليتعمم الخلاف فيطاول رمزيات كثيرة، ولا يندر مع تعميمه أن تشوبه الأمّية أو الاعتباط هنا وهناك.

للنيل من طقس الأضاحي مثلاً، يرى منتقدوه أنه طقس فيه ما فيه من الوحشية غير اللائقة، الوحشية التي تصم المسلمين بالمقارنة مع أديان أخرى. هذا ينسحب رمزياً ومواربة على الدين بأكمله، ليحيل إلى ثقافة عنف يختص بها الإسلام، بينما الأديان الأخرى على الأقل تقدمت عليه بالتخلص من موروث العنف فيها. أي أننا نصل في المحصلة إلى القراءة الثقافوية التي تحيل المشاكل، بما فيها واقع الاستبداد المتوحش، إلى بنية عقل مؤسسة على الإسلام، ليصبح الأخير هو المشكلة الأعمق.

في صراع الرمزيات نفسه، وحيث يزخر عالم السوريين الافتراضي والواقعي بأخبار القتلى والموت، راحت تتزايد نسبة أولئك الذين يتجنبون تقديم التعزية بعبارات فيها شبهة الموروث الإسلامي. ولأن الأمر فيه ما فيه من الاعتباط وعدم التفكر، شاعت عبارات لا تخلو من البعد الديني أيضاً، لكنها هذه المرة أشبه بالتي يستخدمها بعض المسيحيين، فالقول "لروحه السلام" بدل "الله يرحمه" مثلاً لا يختلف من حيث الجوهر إلا لجهة تجنب الموروث الإسلامي، وهذه "الكيدية" إزاء الموروث تجعل أصحابها غافلين عن عبارات عزاء تقليدية تجنبهم ما يريدون تجنبه ويستخدمها السوريون بوفرة مثل "العمر لكم".

لا يخفى أن طغيان الدافع السياسي والممارسات التسلطية للإسلاميين أديا إلى ردود أفعال متطرفة في الجهة المقابلة، ومثلما تحاول جهات إسلامية السيطرة على الحيوات الشخصية وقولبتها فإن رافضي الهيمنة يعبّرون عن تمردهم بشتى الطرق، بما فيها ما هو سطحي أو كيدي فقط. وقد يرى البعض في هذا التمرد على علاته علامة عافية على صراع سيُخاض عاجلاً أم آجلاً، ولن يقتصر بطبيعة الحال على نخب من الطرفين، بل سيكون بسبب طبيعته المسيَّسة معمماً وله مستويات عديدة. يمكن الاستئناس هنا بالصراع الذي خاضته مجتمعات غربية ضد هيمنة الكنيسة، مع ما رافقه من راديكالية لم تكن لتتسع لنقد هادئ أو لمعرفة أعمق بماهية الإيمان وأهميته أو دوره الشخصيين.

ما خلص إليه الصراع في الغرب أننا اليوم نشهد مثلاً في فرنسا، التي تعتبر الأكثر علمانية، احتفاء عاماً بعيد الميلاد الديني، ولا يستنكر فيه دافعو الضرائب المبالغَ الضخمة التي تنفقها البلديات على تزيين الشوارع في كافة أنحاء البلاد. أيضاً، مع وجود نسبة ضخمة من الذين يعتبرون بابا نويل خرافة تُستخدم لإسعاد الأطفال، فإن التواطؤ على إبقائها قائم، ونسبة كبيرة جداً من غير المقتنعين بها تستمر في هذا التواطؤ مع أطفالها أو مع الآباء والأمهات. أيام العطل الرسمية في فرنسا تعود في نسبة كبيرة منها إلى المناسبات الدينية، ولا أحد يعترض على ذلك ويعتبره مسيئاً لعلمانية الدولة. لا أحد يعترض على أسماء القديسين الموروثة على عدد ضخم من الأماكن، وفي المقابل لم تعد سلطة الكنيسة تتجاوز البناء الذي تكون فيه.

هناك في الغرب كله من سخر من الدين، وهناك من قدّم نقداً جذرياً رصيناً له. في النهاية، رغم تراجع نسبة المتدينين، لا أحد يحمل لواء القضاء على الدين. على المستوى الفكري، ثمة إقرار بأن العقل الإيماني له منطق خاص يختلف عن نظيره في الجهة المقابلة، ومن السخف والسذاجة مجادلة أصحابه بمنطق يدفع بالعلم، وكأن المؤمنين مجموعة من البسطاء الأميين، وليس بينهم علماء ومتعلمين ومثقفين على دراية كافية بآخر المنجزات العلمية. 

المبدأ الأساسي في حرية الاعتقاد لا يصادر حرية نقد الإيمان أو الإلحاد، أو التبشير بأحد منهما. الأهم أن الفصل بين الدين والدولة أخرج هذا الجدال من دائرة التسييس، ولم يعد يحتل موقعاً يُذكر ضمن اهتمامات الناس في الغرب. ما تقدّمه لنا خلاصة تجربة الغرب لا يقتصر فقط على فصل الدين عن الدولة، وإنما أيضاً فصل الصراع السياسي مع الإسلاميين عن صراع شبه مجاني مع العقل الإيماني، وعدم الخلط بين الأمرين أو النظر إليهما كسلة متكاملة بالضرورة. والحق أن ممارسة التبشير "العلمانوي" لدينا لا تفترق لدى الكثيرين عم ممارسة التبشير الديني، بما تحمله من فوقية تجاه عموم المتدينين والمؤمنين وهذا منافٍ للعلمانية أصلاً، وبما تحمله من ادعاء معرفة وبما يضمره هذا الادعاء من سلطة.

في واقع سياسي محتدم ومضطرب كالذي نعيشه، يُفترض بمن يتصدون لمحاولات الهيمنة الإسلامية عدم الوقوع في فخاخ نقل المعركة من الحيز السياسي الذي ينشط فيه الإسلاميون إلى الحيز الإيماني الذي يتشارك فيه إسلاميون ومسلمون، وعدم الانجرار إلى معركة هندسة اجتماعية ينشط فيها الإسلاميون والأنظمة المتوحشة وداعموها. الفصل بين ما هو سياسي حار وما هو فكري بارد ليس من باب تهيّب الدخول في تصادم مع حساسيات مجتمعية سائدة، بقدر ما يتوخى فصلاً مقابلاً بين كينونة إيمانية وأخرى سياسية، والتعويل على إصلاح ديني يكون مدخلاً لهذا الفصل لم يظهر ما يسنده واقعياً أو يبشر بنجاحه سوى ذلك القياس على نموذج غربي انقضى زمنه، وستكون مضيعة للوقت محاولة اقتفائه من تلك النقطة.

الحق أن الجدل حول تفاصيل مثل خروف العيد فيه قدر كبير من إضاعة الجهد في المكان غير المناسب، وفيه أيضاً إلصاق لفكرة القربان بالمتدينين دون غيرهم، وفي هذا تجاهل لنقلة قديمة في العقل تم بموجبها الإقلاع عن تقديم القرابين البشرية. المفارقة أن استعادة طقوس القربان البشري في الأزمنة الحديثة أتت غالباً من خارج الدين، ورأينا أقسى تجسيد لها من خلال الأنظمة التوتاليتارية والفاشية وأنظمة الاستبداد العربية، ولعل السوريين تحديداً لا ينسون شعاراً كان يُفرض عليهم منذ طفولتهم المدرسية هو "بالروح بالدم نفديك يا حافظ". ثم بعد الثورة، كم سيبدو رقيقاً ذبح خروف العيد، "والبشرية على أية حال تذبح ملايين الخرفان يومياً للغذاء"، بعد أن شاهدنا شبيحة الأسد يذبحون بالسواطير عائلات من المناطق الثائرة، وبعد مشاهدة أفلام الذبح التلفزيونية لداعش. بالطبع يبقى الأكثر رياء أولئك الذين ينتقدون التضحية بخروف العيد، ويريدون تحويل المجتمع إلى قطيع من الخراف.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019