كورونا: العمل معاً

بول سالم

الخميس 26/03/2020
ما زالت محنة انتشار فيروس كورونا في الشرق الأوسط في مراحلها الأولى. ويبدو أنها ستكبد المنطقة كلفة إنسانية واقتصادية مدمرة. قد ترتفع أعداد الضحايا إلى ملايين، وقد تسجل اقتصادات المنطقة تقلصاً  يصل إلى أكثر من عشرة بالمئة. وقد يدفع انتشار الوباء البلدان الأكثر هشاشة إلى مواجهة الانهيار، واندلاع الحروب الأهلية، وتفاقم أزمات اللاجئين والنازحين في الداخل والخارج، فضلا عن تصاعد حدة الصراعات الإقليمية.  

من جانب آخر، قد تؤدي هذه الأزمة إلى صحوة لدى قادة المنطقة، ما يمكنهم من النظر إلى ما يتجاوز المصالح الجيوسياسية للأنظمة وأجنداتها السياسية أو الطائفية. وما لم تتصرف دول المنطقة بطريقة عاجلة ومنسقة، فقد تكون هذه الأزمة أسوأ أزمة في تاريخ الشرق الأوسط الحديث. 

وأنه لمن المحزن، أن ننتظر وباء قاتلا ليعيد تذكيرنا بانتمائنا الإنساني المشترك، ويعيد تنبيهنا إلى المخاطر المشتركة التي تحيط بنا، والفرص القليلة التي ما زالت تلوح أمامنا، وأهمية أن نعمل لمصلحة بعضنا البعض وليس ضد بعضنا البعض.  

الأولوية القصوى لا بد أن تُعطى إلى سكان المناطق التي تشهد حروبا أهلية وتضعف فيها سلطة الدولة الجامعة، حيث سيعاني السكان في هذه المناطق بشدة من الفيروس في وقت لا يستطيعون الاعتماد على مساعدة الدولة. وهذه المناطق تشمل أماكن تواجد النازحين واللاجئين في سوريا وخارجها وفي اليمن وليبيا وفي قطاع غزة المحاصر . لهذا، على دول المنطقة، وعلى المجتمع الدولي، المبادرة سريعا إلى التحرك لإبطاء سرعة انتشار الوباء، في هذه المناطق المزدحمة بسكانها، وتأمين ما يلزم من الرعاية الطبية والأدوية ووسائل الوقاية اللازمة لهؤلاء الناس. كما أن أوضاع الدول، التي تعيش فيها كتل كبيرة من الطبقات الدنيا وبعضها يقيم في مستوطنات عشوائية ومرتجلة، تدعو إلى القلق الشديد. وهذه هي الحال في مصر، وفي عدد من الدول الأخرى أيضا. حيث لا يملك القاطنون في هذه المجتمعات المزدحمة، القدرة على عزل أنفسهم أو المحافظة على مسافات آمنة مع الآخرين، كما أن هذه المجتمعات معدومة الحيلة في مواجهة أي ركود اقتصادي أو انعدام للفرص. ولهذه الأسباب فإن هذه المناطق الآنف ذكرها تتطلب اهتماما خاصا وعاجلا.  

لكن الأزمة لن تكون محصورة في هذه الدول والمناطق فقط، بل إن الضرر سيطال كل اقتصادات المنطقة -التي تكافح منذ زمن للمحافظة على نمو متواضع وتوفير فرص العمل. خصوصا إذا ما طالت فترة الإغلاق والعزل لأشهر عديدة. هذا فضلا عن التأثير البالغ الذي سيتركه الركود الاقتصادي العالمي على اقتصادات هذه الدول الضعيفة أصلا. وبما أنه من المقدر أن تضرب هذه الأزمة الدول الكبيرة غير النفطية في المنطقة بقوة،  فعلى الدول التي تملك الموارد، وخصوصا دول الخليج الغنية بالنفط والمدخرات، أن تبادر إلى حشد الموارد الإقليمية والعالمية لإعانة الدول التي سيهدد الوباء اقتصاداتها الضعيفة، ومساعدتها للنجاة من هذا العاصفة، والمساهمة في إنعاش اقتصاداتها وأسواقها بعد ذهاب ريح هذا الوباء. 

انتشار الوباء إذا ما ترافق مع انهيارات اقتصادية في عدد من الدول -الكبيرة والصغيرة- سيؤدي إلى انهيار هذه الدول. وآثاره الخطيرة ستمتد لسنوات- وربما لعقود- وسينتج عنها نشوء مناطق واسعة خارجة عن سيطرة الدولة وسيادتها، وحروب أهلية متفرقة، وملايين اللاجئين والنازحين، ومساحات آمنة واسعة للجماعات المتطرفة والإرهابية.  

  

إن الحاجة للعمل معا وبشكل عاجل باتت ملحة وفي غاية الأهمية. وأود هنا أن أشير إلى عدد من السيناريوهات الممكنة: في الجزء الشرقي من الشرق الأوسط، على قادة دول مجلس التعاون الخليجي وإيران والعراق وتركيا وضع خلافاتهم جانباً، وعقد قمة طارئة (عبر الوسائل الافتراضية)، هدفها تنسيق الجهد والتعاون العاجلين - الصحي والاقتصادي على حد سواء – في مواجهة الوباء؛ اعتماد إجراءات فورية لوقف القتال في اليمن، وإعطاء الأولوية لضمان وصول المساعدات الإنسانية والطبية والاقتصادية الملحة للمحتاجين؛ اتخاذ تدابير لوقف القتال في سوريا وتقديم المساعدة للنازحين؛ وأيضاً المبادرة لمد يد المساعدة إلى ليبيا وبذل الجهود اللازمة لوقف القتال. 


يلحّ على مصر وإسرائيل رفع الحصار عن غزة فورا –  أقله في كل ما يتعلق بصحة السكان العامة والموارد الطبية والاقتصادية اللازمة – وعلى الدولتين تنسيق تقديم المساعدة الإقليمية والدولية ووصولها لسكان غزة المعرضين للخطر. بالإضافة إلى ذلك، على مصر وإسرائيل والأردن العمل مع السلطة الفلسطينية لتأمين ظروف آمنة ومستدامة لسكان الضفة الغربية.

في المغرب العربي، ينبغي على المغرب والجزائر وتونس تنسيق الاستجابة الصحية والاقتصادية، والعمل على مساعدة المحتاجين في ليبيا وأجزاء أخرى من شمال أفريقيا.

وجميع هذه الجهود تتطلب من دول المنطقة التنسيق مع المؤسسات الدولية واللاعبين العالميين الرئيسيين، لضمان اتباع نهج فاعل ومستدام.

للمرة الأولى منذ فترة طويلة ، تقاتل دول المنطقة وشعوبها عدواً مشتركاً. دعونا نأمل أن تعيدنا هذه الأزمة إلى إنسانيتنا وقيمها المشتركة، وأن تكون حافزًا تاريخيًا للتعاون الإقليمي ووضع مصالح أهل المنطقة - لا سيما الأكثر ضعفاً بينهم – في مقدمة الأولويات. 

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020