إسرائيل في الخليج:المواجهة تقترب

حسن فحص

الأحد 11/08/2019
يكشف الاصرار الاميركي على السير بجهود تشكيل تحالف دولي للاشراف على أمن امدادات الطاقة والتجارة في مضيق هرمز، ان استراتيجية البيت الابيض في مواجهة ايران قد انتقلت من مرحلة "التهديد العسكري" الى مرحلة "استعراض الاجراءات لهجوم عسكري" يعزز ذلك اعلان الحكومة الاسرائيلية عن نيتها الانضمام الى هذا التحالف، الامر الذي قد يسرع من امكانية الانتقال الى "العمل العسكري"، بناء على ردة الفعل الايرانية على امكانية دخول اسرائيل مباشرة في هذا التحالف والاقتراب من المجال الحيوي للحدود الايرانية ومناطق النفوذ التي تعتبرها خالصة لها في اطار الصراع الاقليمي بين الطرفين على تقاسم هذه المناطق. 

وعلى الرغم من تأكيد طرفي الازمة – الاميركي والايراني- عدم رغبتهما او نيتهما الدخول في مواجهة عسكرية، خصوصا الجانب الايراني الذي يحاول الايحاء ان هذه الرغبة تتأكد لدى الجانب الاميركي، الا ان التصعيد الذي بدأت تذهب اليه الامور في مياه الخليج ومضيق هرمز واصرار واشنطن على تشكيل التحالف العسكري البحري بقيادتها لمواكبة ناقلات النفط والسفن التجارية من والى الخليج عبر مضيق هرمز يعزز احتمال حصول اشتباك عسكري بين الطرفين عند حصول اي خطأ في الحسابات لدى أي منهما، خصوصا في ظل عدم وجود قنوات للتواصل المباشر بينهما تسمح بتطويق اي تطور عسكري ومنع تحوله الى مواجهة مفتوحة تقود المنطقة الى حرب مدمرة. 

وما يزيد من تعقيد المشهد ويرفع من خطر الوصول الى مواجهة عسكرية، المواقف التي تصدر عن الرئيس الاميركي دونالد ترامب والتي تؤدي الى اقفال اي امكانية لفتح قناة تواصل او مسار تفاوضي بين واشنطن وطهران، ولعل ما جرى من احباط لمساعي الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون والجهود التي يبذلها مع نظيره الايراني حسن روحاني والاتصالات الهاتفية التي جرت بينهما والتي تجاوزت الثلاثة في الاسابيع الاخيرة من مجموعة ستة اتصالات منذ بدء الازمة، يشكل تعبيرا واضحا عن عدم رغبة البيت الابيض في نجاح هذه الجهود، ما يعني ان استمرار الضغوط على طهران التي تمارسها واشنطن قد توصل الامور الى طريق مسدود خصوصا في ظل اصرار ترامب على التفاوض المباشر من دون وسائط وتأكيده على استعداده للرد على اي اتصال تقوم به القيادة الايرانية مباشرة والتفاوض المباشر معها حول مختلف المسائل العالقة بينهما. وهي مواقف لم يراعِ فيها ترامب كل الجهود التي يبذلها حلفاء واشنطن الاوروبيين وحتى الاسيويين، اذ سبق له ان قام بالتزامن مع الزيارة التي قام بها رئيس وزراء اليابان شينزو آبي الى طهران بالتنسيق معه الى الاعلان عن حزمة جديدة من العقوبات ضد قطاع البتروكيمياويات الايراني ما ساهم في افشال المفاوضات التي خاضها "آبي" مع مرشد النظام آية الله علي خامنئي والرئيس روحاني. 

وفي هذا السياق، يبدو ان الادارة الاميركية تعمل على ارساء معادلة جديدة او استراتيجية مختلفة في مضيق هرمز ومياه الخليج، تقوم على استعراض القوة من خلال خطة طويلة الامد تتدرج في تصعيد الحصار ضد ايران، تبدأ من خلال العمل على انجاح المساعي التي يبذلها وزير الخارجية مايك بومبيو لتشكيل الحالف البحري، بما يوصل رسالة مباشرة الى النظام في طهران بان الاجراءات الاميركية قد تجاوزت مرحلة "التهديد العسكري"، وان الانتقال الى مرحلة الصدام لن تكون مستبعدة في حال ذهبت الامور الى مزيد من التأزم والتصعيد، وان اللجوء الى خيار الائتلاف البحري هدفه الحد من قدرات ايران عن القيام باي عمل عسكري استفزازي او امكانية تكرار ما حدث عندما قامت باسقاط طائرة التجسس المسيرة . وعليه قد يكون من الصعب على النظام الايراني ومؤسسته العسكرية الاستمرار في الاعتماد على تقويم الاجراءات الاميركية على انها "حرب نفسية" تهدف لاخافة طهران وفرض التنازلات عليها. خصوصا في حال ذهبت واشنطن الى الحد الاقصى في استنفار الجانب الايراني من خلال السماح لاسرائيل ان تكون جزءًا من هذا التحالف، الامر الذي تعتبره طهران تهديدا لامنها القومي، حسب  الموقف الصادر عن الخارجية الايرانية، ما قد يستدعي منها الذهاب الى تصعيد مقابل، قد لا تقتصر دائرته على مياه مضيق هرمز، ليشمل مناطق اخرى في الاقليم تعتبرها طهران مناطق تماس مباشر وغير مباشر مع واشنطن وتل ابيب. وهو ما يمكن ان يفهم من كلام رأس الدبلوماسية محمد جواد ظريف الذي تحدث عن حق بلاده في الرد على هذا الاجراء وان عواقبه تتحملها واشنطن.

وقد يكون من الصعب، مع دخول تل ابيب على خط الائتلاف البحري العسكري في مضيق هرمز، اعتبار هذا الائتلاف مجرد تصعيد في "ايرانوفوبيا" تمارسه واشنطن لاقناع المجتمع الدولي بالوقوف الى جانبها في ممارسة الضغوط على ايران، وان الاستفزازات الايرانية تستدعي تضافر الجهود الدولية السياسية والعسكرية من اجل توفير الامن للممرات المائية الاستراتيجية في هرمز وباب المندب. وهو ما قد تعتبره طهران "حربا استباقية" ضدها، وان لديها الذريعة في التصعيد لهذا الائتلاف في ظل المشاركة الاسرائيلية فيه. 

وفي مقابل "الصبر الاستراتيجي" الذي تمارسه طهران في مواجهة الضغوط والعقوبات الاميركية والحصار المفروض عليها، يبدو ان واشنطن اعتمدت ايضا استراتيجية "ضبط النفس" في التعامل مع الاجراءات الاستفزازية الايرانية في مياه الخليج ومضيق هرمز وبحر العرب، خصوصا في ردة فعلها على اسقاط طائرة التجسس واعتماد ترامب خيار عدم اللجوء الى توجيه ضربة محدودة ردا على ذلك، لان الضربة المحدودة لن تؤدي الى النتائج التي تسعى لها واشنطن في محاصرتها لايران، وقد تتسبب في جدل دولي حول مسؤوليتها باشعال حرب في المنطقة في حال قامت ايران بالرد على اي عملية عسكرية اميركية، من هنا يمكن القول ان احتجاز طهران لناقلة النفط البريطانية وما تلاه من توقيف لناقلات اخرى، قد وفر لواشنطن امكانية جر المجتمع الدولي لاعتماد خيار اللجوء الى تشكيل ائتلاف دولي لحماية حرية النقل البحري، ما يعني ان واشنطن بات بامكانها تقليل هامش المناورة الايرانية في هذه المنطقة من دون ان تقع على عاتقها الاعباء المالية، وبالتالي فان اي عمل عسكري ضد ايران قد تلجأ له ستكون نتائجه طويلة الامد واثاره اكثر استراتيجية ليس في منطقة الخليج بل على امتداد منطقة غرب آسيا. 

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019