إيران ومعاهدة عدم الاعتداء

حسن فحص

الأحد 09/06/2019

قد يكون الهدف المباشر للطرح الذي قدمه وزير الخارجية الايرانية محمد جواد ظريف لدول الجوار، خصوصا الخليجية وتحديدا المثلث السعودي الاماراتي البحريني، بالدعوة لعقد اتفاقية عدم اعتداء مع ايران، هو ابطال او تحييد التهديد الاميركي العسكري ضد ايران من خلال الرهان على احداث شرخ داخل التحالف المعادي لايران الذي عبر عنه ظريف في لقائه مع قناة فوكس نيوز المقربة من البيت الابيض والذي اطلق عليه اسم "الفريق B" المتشكل من مستشار الامن القومي جون بولتون ووزير الخارجية مايك بومبيو وولي عهد السعودي محمد بن سلمان وولي عهد ابوظبي محمد بن زايد، ورئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو.

لكن الهدف الابعد او الذي يمكن تسميته بالهدف الاستراتيجي وبعيد المدى من وراء هذا الطرح، هو الرؤية الثابتة للنظام الايراني بالنظرة الى مسألة الامن القومي وترابطه اللصيق بأمن المنطقة او الامن الاقليمي، ما يدفع ايران للعمل على اعطاء مسألة تعزيز علاقاتها بشكل واسع مع محيطها المجاور، وهي رؤية ذات بعد تاريخي دائم لدى السلطة التي تحكم في طهران، سواء في زمن النظام الملكي او في زمن النظام الاسلامي، ترتكز على مبدأ تخفيض التوتر بينها وبين دول الخليج والاصرار على بناء جسور الحوار معها في الوقت نفسه.

فمعاهدة عدم الاعتداء التي دعا اليها ظريف، لا بد ان تمر في مسارات متعددة ومترابطة، مثل بناء الثقة التي تراجعت في السنوات الاخيرة الى ادنى مستوياتها، ان كان من قبل الدول العربية بسبب خوفها من الطموحات الاقليمية لايران وسيطرتها على عواصم عربية عديدة وتحويلها الى ساحة لنفوذها السياسي والامني والعسكري، وان كان من قبل ايران التي تتهم هذه الدول بالتحالف مع اسرائيل عدوها  اللدود والعمل معها على تقويض نظامها وتشجيع الادارة الاميركية على شن حرب ضدها ومساعدة جماعات داخلية وايرانية معارضة للانقلاب على النظام وأسقاطه.

خفض مستوى التوتر السائد بينها وبين هذه الدول، والعمل على تعزيز اهمية التعاون الامني بين هذه الدول، انطلاقا من الاعتقاد الايراني بان المسألة الامنية واستقرار الانظمة في هذا المحيط مترابط، فأي اهتزاز في امن واستقرار ايران سينعكس سلبا على امن واستقرار كل دول المنطقة والعكس صحيح، لذلك فان الامن الايراني جزء من امن هذه الدول وامن هذه الدول جزء من امن ايران.

وضع حد لسباق التسلح الذي تشهده المنطقة والذي يصب فقط في صالح الدول المصنعة، وبالتالي الاستمرار في تكديس السلاح وصل الى مراحل متقدمة وحول المنطقة الى "برميل من البارود"، ويشكل تهديدا خطيرا لامن كل دول المنطقة على المدى البعيد في حال قرر اي من الاطراف اللجوء الى الخيار العسكري.

تصحيح النظرة لدى هذه الدول المتخوفة من تنامي قدرات ايران العسكرية، خصوصا طموحاتها النووية والتطوير المستمر لبرنامجها الصاروخي، من خلال التأكيد ان السبب في اصرار ايران على تعزيز هذه القدرات يعود السبب فيه الى الشعور بعدم الاستقرار الاقليمي، والاعتقاد ان اهتزاز الامن في المنطقة سيلحق الضرر الاكبر بايران ويجعلها مكشوفة امام التهديدات الاميركية والاسرائيلية وبعض الدول المتحالفة مع واشنطن.

الاعتراف بالمخاوف الايرانية من التهديدات التي تستهدف دورها الاقليمي الذي وفر لها المساحة الجيوسياسية والجيوستراتيجية لمواجهة التحديات الناتجة عن الحربين الاميركيتين في افغانستان والعراق، وما تعرضت له سوريا التي تشكل رأس الجسر الذي يربط بين طهران والحدود مع الاحتلال الاسرائيلي. اضافة لما تعرض له العراق من تهديد وجودي من الجماعات الارهابية التي شكلت تهديدا لاستقرار ايران وامنها الداخلي. ما جعل من وجودها ومشاركتها في هذه الازمات، من افغانستان الى سوريا ومرورا بالعراق عاملاً وبعداً اساسياً في سياستها الخارجية لابعاد التهديد الامني ومن اجل الحفاظ على استقرارها، وهو وجود ومشاركة تعتبرها ضرورية لامنها وامن المنطقة.

والطرح الجديد لمعاهدة عدم الاعتداء قد يشكل اعترافا ايرانيا بالحقائق الجديدة التي طرأت على المنطقة وصعوبة العودة الى الدور الذي منحته واشنطن لايران ايام الحرب الباردة في عهد الرئيس ريتشارد نيكسون ك"شرطي الخليج" يتولى مسؤولية امن الخليج ومضيق هرمز، لذلك فهي تأخذ بعين الاعتبار مختلف العوامل الاقتصادية والتنموية وتنامي القدرات العسكرية للدول الخليجية، خاصة السعودية في العقود الاخيرة، ما دفعها للتفكير في الدفع من اجل التوصل الى صيغة تضمن مشاركتها في "نظام امني جماعي" في المنطقة ويسمح لها بالالتفاف على اللاعب الاميركي القادر على اعطاء الشرعية الدولية لمثل هذه المنظومة، في ظل صعوبة العودة الى الصيغة القديمة بسبب التوتر القائم بين واشنطن وطهران والذي اخذ أبعاداً اكثر تعقيداً من السابق.

وهذا الطرح ينسجم ويأتي في السياق نفسه الذي يدفع نحوه الرئيس حسن روحاني بالدعوة لتشكيل "المنطقة القوية" بمشاركة جميع دولها، والذي انطلق من قراءة دقيقة وواقعية للمستجدات الاقليمية التي تمنع ايران من فرض نفسها قوة متفوقة على الاخرين، وبالتالي لا بد لها من خفض مستوى طموحاتها وتطلعاتها في هذا المجال والسعي لانشاء شراكة اقليمية يكون لها دور اساس وفاعل فيها، لا يكون على حساب دور وحجم الشركاء الاخرين، ويمهد الطريق امام تعزيز علاقاتها مع محيطها والحد من التوتر معها والتأسيس لعلاقات اقتصادية واسعة في المستقبل.

وتسعى ايران من خلال العمل على اقناع الدول الخليجية بهذه المنظومة الجديدة، توجيه رسالة الى الادارة الاميركية بامكانية العودة الى المعادلة القديمة للحفاظ على امن المنطقة بما فيها من طرق استراتيجية لامدادات الطاقة من خلال الاعتماد على الدول الاقليمية القادرة على تولي هذه المهمة، والتخلي عن جهودها في تعزيز القدرات العسكرية لكل من السعودية والامارات بمشاركة اسرائيل من اجل خلق حالة من "توازن قوى" مع ايران، ما قد يؤدي الى امكانية نشوب حرب في المنطقة نتيجة لفائض القوة وتعاظم القدرات العسكرية لدى هذه الدول ما قد يدفعها لاعتماد الخيار العسكري للحد من تنامي النفوذ الايراني وقدراته العسكرية.

 

 

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019