"رابعة السودان" بتوقيع إسلامي

مهند الحاج علي

الجمعة 07/06/2019
في الثورة السودانية والعملية القمعية الجارية لها الآن، دروس مفيدة للمنطقة بأسرها والطامعين بالتغيير فيها، إذ فيها اختلافات عن الحالات التونسية والمصرية والليبية. وفيها أيضاً عامل مشترك أساسي. ذاك أن سقوط الرئيس السوداني السابق عمر البشير في 11 نيسان (أبريل) الماضي في انقلاب عسكري بعد شهور من التظاهرات وسنوات من الاحتجاجات والنشاط السياسي المعارض، لم يُنه سُلطة العمود الفقري الوحيد للدولة السودانية: العسكر والأمن.

والحقيقة أن المشترك الأساسي في تجارب مصر وتونس وليبيا وقبلهما العراق في العمليات الانتقالية، هو أننا اكتشفنا خواء الدولة بعد رحيل الدكتاتور أو تراجع العسكر والأمن. ليس في الدولة عندنا ما هو أبعد من العسكر والأمن. لم تبن الأنظمة العسكرية الطابع في مصر والسودان مؤسسات قادرة على المضي في إدارة البلد، اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، بعد رحيل الحاكم. من سمات هؤلاء الحكام أن الاقتصاد يتحول إلى مرتع لهم ولأبنائهم وأصهرتهم وخواصهم من التجار. والعدل أو القضاء هو أداة تنفيذية للسلطة فحسب، يُعاقب من يخرج عن طاعة الحكام، ويُصدر أحكاماً تعكس قراراً سياسياً، لا اجتهاداً قانونياً. ولا استقلالية للمصارف المركزية ولا هياكل مؤسساتية قادرة على ادارة البلاد، ولا هيئات رقابية مُستقلة تضمن التزام المؤسسات بالمعايير القانونية والمهنية وتُحاسبها عند الضرورة. بيد أن الثقة والاستقلالية ومراكمة الخبرات من سمات المؤسسات الناجحة، وكلها مفقودة في بلادنا، حتى تلك التي لم تلفحها.

أبرز ارتكابات العسكر في الحكم، قتل المؤسسة، كي يزيد الاعتماد على شخص الحاكم، وأيضاً من أجل حجب رؤية المستقبل من دونه. رحل الزعيم الليبي معمر القذافي، وطارت "الدولة" الليبية معه. خنق الدولة بهذا الشكل، اغتيال للمستقبل أيضاً.

الأحزاب السياسية المعارضة والموالية هي كذلك مؤسسات حيوية كونها تُنتج أفكاراً ونُخُباً تحتاج إليها البلاد في أي مرحلة انتقالية. خنق الحريات واحتكار الفضاءات العامة من المشتركات السياسية أيضاً لدى هذه الأنظمة. وهذا بدوره ساعد في نمو الحركات الإسلامية في تونس ومصر وليبيا كذلك. لم يبق في هذه البلدان بعد سقوط الدكتاتورية سوى دولة متداعية ومعارضة إسلامية. وهذه الثنائية مفيدة للدكتاتورية، وطغت على السياسة في منطقتنا لعقود.

هذه الأحداث والعمليات الانتقالية منذ عام 2011 أسهمت في تسريع نقل الثقل العربي من مصر والمشرق إلى الخليج. وفقاً للانقسام الدائر بينها، لعبت دول الخليج العربي دوراً إما في دعم الإسلاميين أو في دعم العسكر ورموز النظام السابق بحُجة مواجهة "الإسلام السياسي".

من هنا، درسُ السودان مفيد لأن هذا البلد استثناء لجهة وجود الإسلاميين في قلب السلطة منذ انقلاب عام 1989. هنا، وعلى غير عادة، العسكر والإسلاميون حلفاء. لذا، عندما قرر "المجلس العسكري" قتل عشرات المتظاهرين وانهاء الحوار السياسي، لم يتحدث عن خطر اسلامي، بل كان الإسلاميون سلاحاً في يده. وعلى عكس بقية الدول، لن يطغى الاسلاميون على العملية الانتقالية في السودان، ذاك أن تجارب العقود الثلاثة الماضية، أعطت السودانيين مناعة من الخطاب الشعبوي للإسلام السياسي. والإسلاميون غائبون عن تمثيل المتظاهرين، إن كان في "تجمع المهنيين السودانيين"، أو في قوى إعلان الحرية والتغيير.

لذا فإن الحالة السودانية تستدعي طرح أسئلة عن الدور الخارجي وأيضاً الداخلي في المرحلة الانتقالية. خارجياً، وعلى ضفتي الإنقسام الخليجي، كان منطقياً دعم المعارضة المزدوجة. ذاك أن من يدعي دعم التغيير الديموقراطي، بإمكانه استكمال دوره هنا رغم وجود الإسلاميين على الضفة المقابلة. ومن يحمل مواجهة الإسلام السياسي، شعاراً وحيداً لتدخلاته، يُفترض أن يدعم عملية انتقالية تُريد تطهير السياسة ممن استغل الدين لمآرب شخصية وسلطوية. المثير للغرابة أن مواقف الطرفين اتسمت بالتردد والحذر في بداية الأحداث، ثم انتهت إلى دعم "العسكري" بشكل مباشر أو غير مباشر. هذا دور يطرح أسئلة عميقة عن أصل هذه السياسات الخارجية ودورها الحقيقي في العمليات الإنتقالية.

وأخيراً، ما حصل في ساحة الخرطوم هذا الأسبوع من قتل 108 متظاهرين وجرح وضرب آخرين (بالسوط في بعض الحالات)، يرتقي إلى مجزرة تُشبه "رابعة" في مفاعيلها السياسية. والإسلاميون، إما من خلال وجودهم في قوى الأمن وتحديداً "الدعم السريع"، أو عبر التظاهر في الشارع ضد القوى السياسية المُحركة للثورة (حفاظاً على الشريعة كما ادعوا)، لعبوا دوراً في هذه الحقبة الدموية للثورة السودانية. هذه حقيقة تطرح أسئلة جذرية.

كان شعار "رابعة" رمزاً للإسلاميين، قاربوا فيه اقصاءهم وقمعهم من بوابة حقوق الإنسان، ووجدوا من خلاله تعاطفاً في أوساط أوروبية وأميركية. لكن بيان جماعة "الإخوان المسلمين" المصرية اليوم، على سبيل المثال لا الحصر، كان أقرب في السياسة إلى "المجلس العسكري" منه الى الثوار، إذ طالب بنقل السلطة الى حكومة منتخبة، تماماً كما يريد العسكر، أي دون تسليم العملية الانتقالية إلى المدنيين لتهيئة المناخ لانتخابات حرة ونزيهة. حتى أنها دانت "المتسبب في المجزرة" دون تسميته، وكأن القاتل غير معروف. أليس هذا نفاقاً سياسياً؟ ألا يُشبه هذا الموقف اصطفاف الإسلاميين الشيعة إلى جانب الدكتاتورية في سوريا وضدها في الدول الأخرى؟

من دروس السودان، وإلى حد ما سوريا، أن الإسلاميين والعسكر وجهان لعملة واحدة لن تشتري لنا سوى خواء في الدولة والسياسة والثقافة ... وفوضى، لو غابوا عن السلطة. ومن دروس السودان أيضاً أن القوى الإقليمية المناصرة للثورات والمعادية لها، لا تحمل أجندات أو سياسات متماسكة ومتناسقة، بل مصالح ضيقة تفتقر إلى الرؤية.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019