نهاية المغامرة التركية

عمر قدور

الثلاثاء 04/06/2019
من المنتظر أن يجتمع، قريبا، جون بولتون رئيس مجلس الأمن القومي الأمريكي بنظيريه الروسي والإسرائيلي في القدس؛ الخبر لم ينل اهتماماً واسعاً رغم دلالاته في ما يخص الشأن السوري، ورغم أنه الاجتماع الأول على هذا المستوى للقوى الثلاث الأهم المنخرطة فيه. الهدف المعلن للاجتماع دعم الأمن القومي الإسرائيلي، وهو لا يتطلب حقاً اجتماعاً على هذا المستوى، فالجانبان الروسي والأمريكي لا يقصّران في الدعم، بل يبذلان أقصى جهد لدعم أكثر الحكومات الإسرائيلية يمينية والإبقاء على نتنياهو في السلطة.

قد لا يكون من المصادفة بتاتاً عقد الاجتماع المذكور في وقت انتهى فيه عملياً مسار أستانة، ولا تظهر فيه أية نية لاستئناف مسار جنيف، أو عدم وجود نية لاستئناف الأخير قبل تبلور صفقة نهائية. واحدة من الإشارات على انقضاء مسار أستانة الفتور الذي قوبل به اتصال أردوغان ببوتين لحثه على وقف التصعيد في ريف حماة وإدلب، ومن ثم إعلان موسكو أن وقف التصعيد مسؤولية أنقرة التي يجب عليها لجم الفصائل الموجودة في إدلب، رغم أن الأخيرة التزمت بالتهدئة من قبل عملاً بتوجهات الوصي التركي. ابتلاع أنقرة الكذب الروسي يؤشر إلى ضيق مساحة المناورة أمامها، وينذر بأن العملية العسكرية الروسية الحالية قد لا تتوقف، وإن تلكأ الاجتياح البري في انتظار أن تنجز سياسة الأرض المحروقة عملها.

من المتوقع مع اجتماع القدس أن يطفو الموضوع الإيراني على السطح، لأن سحب الميليشيات الإيرانية والنفوذ الإيراني على الأسد يبرز في مقدمة المطالب الأمريكية والإسرائيلية. ذلك، إن كان صحيحاً تماماً، سيقدّم لموسكو سلة من الحوافز فوق إطلاق يدها عسكرياً في سوريا، ومن المنطقي أن يتضمن انسحاب كافة القوى الأجنبية بما فيها التركية، وهو مطلب سبق لإسرائيل طرحه لإغراء موسكو بالاستفراد في سوريا، وعدم الاضطرار لمراعاة المصالح الإيرانية والتركية التي كان مسار أستانة تعبيراً عنها.

بعبارة أخرى، المطروح على موسكو هو إبعاد الإيرانيين والأتراك لمصلحتها ومصلحة إسرائيل معاً، والتطبيع التام مع وجودها في سوريا من خلال عملية سياسية تراعي نفوذها، ويقبل بها المجتمع الدولي مدخلاً للمساهمة في إعادة الإعمار. في سلة متكاملة من هذا النوع سيكون من الصعب الحديث عن تحجيم النفوذ الإيراني وحده، بل يكون من المستحسن الانتباه إلى استفراد موسكو بالعملية العسكرية الحالية في ريف حماة وإدلب، بينما تتوارد الأخبار عن سعيها في أماكن أخرى من سوريا إلى تقليص الوجود الإيراني.

لقد قيل الكثير عن الخطر الإيراني في المنطقة، في حين رُبطت طموحات أردوغان بإسلاميته، وهذا مصدر تخويف مماثل ولو لم يبرز في الخطاب الدبلوماسي الأمريكي. الواقع أن الخط البياني لطموحات أردوغان انحدر من قوله الشهير "حماة خط أحمر" إلى ابتلاع الإهانة الروسية بتحطيم صورته كضامن للهدنة في إدلب، بخاصة مع توالي الصور عن همجية القصف الروسي ومآسي السكان المدنيين. بين المقدمة والنتيجة كانت أنقرة قد ابتلعت اعتماد واشنطن على خصمها الميليشيات الكردية في الحرب على داعش، وابتلعت تخلي حلف الناتو عنها لما أسقطت طائرة روسية في بدء التدخل العسكري الروسي، فضلاً عن القناعة بوجود تشجيع غربي لمحاولة الانقلاب الفاشلة.

بخلاف الظنون التي تتعلق بالموقع الجيوسياسي لتركيا، لم تتمكن أنقرة من اللعب على الحبال الأمريكية والروسية، بل تعرضت إلى الطحن من الجانبين. من السهل إلقاء المسؤولية على السياسات التركية التي افتقرت إلى بعد النظر، بخاصة بسبب التغيرات في بنية الحزب الحاكم وتهميش كوادر ساهمت في العهد الذهبي لحزب العدالة. لكن ينبغي أيضاً التوقف ملياً عند موقع تركيا من سوريا، الموقع الذي كان يؤهلها أكثر من غيرها للعب دور فعال ومستدام، وهذا كان ممنوعاً طوال الوقت. رأينا من قبل وضعاً مشابهاً في العراق، عندما كانت إيران الطرف الأنسب لملء الفراغ الجيوسياسي الناجم عن سقوط صدام وعدم وجود قوى أخرى قادرة على المنافسة، ونرى كيف أن الوجود الإيراني في العراق أصبح من بديهيات الحياة السياسية بحيث أن كل ما يُقال عن تحجيم النفوذ الإيراني الآن يعترف ببقائه في العراق.

باستثناء الأكراد، من المحتمل جداً أن يلقى النفوذ التركي ترحيباً في الشمال السوري جراء الفراغ الوطني الحاصل، وتركيا تملك من مقومات التدخل ما لا يملكه أي بلد آخر مجاور، وتستطيع الاستثمار في القبول بها من أجل وجود طويل الأمد. هذه الوضعية كانت تمتلكها إيران من فوق، أي من خلال سيطرتها على بشار الأسد كجسر بين العراق ولبنان، إلا أن النفوذ الإيراني يفتقد القدرة على الاستمرار بسبب افتقاره إلى قاعدة شعبية تقبل به على النمط العراقي، وكل ما قيل عن تحالف الأقليات يبقى ظرفياً ومرشحاً للانفضاض مع تغير المعادلات السياسية.

ضعف تركيا سورياً هو في قوتها، وهناك شبه إجماع دولي وإقليمي على عدم منحها النفوذ الذي تريده في سوريا، خشية أن يؤدي النفوذ المستدام إلى تغيير في توازنات المنطقة. قد تزيد إسلامية أردوغان من التوجس القائم، إلا أنها ليست السبب الأساسي أو الأوحد، لا في مطامع النفوذ التركية ولا في محاولات تحجيمها. في إطار التوازنات ذاتها، من المرجح أن تؤخذ هواجس أنقرة تجاه الأكراد في الاعتبار، وقد رأينا من قبل التفاهم الدولي والإقليمي على لجم طموحات إقليم كردستان العراق الانفصالية.

ترضية أنقرة في الشأن الكردي لن تعني السماح لها بالبقاء في عفرين لاحقاً، أو متى تقرر قلب طاولة أستانة بأكملها، واستهداف الوجود التركي في عفرين حيث لا يحظى بقبول كردي هو حلقة سهلة بالمقارنة مع استهداف إدلب. على أية حال سيكون مصير الوجود التركي في كافة المناطق على المحك مع انسحاب القوات الأمريكية، وهذا لم يحدث حتى الآن رغم تلهف ترامب إليه بسبب معارضة أركان إدارته.

في حال نجح اجتماع القدس فسيسدل الستار على طموحات القوتين الإقليميتين تركيا وإيران، مع الإبقاء على قوة الركن الإقليمي الثالث وهو إسرائيل. ستكون إيران قد أدت دورها بزج ميليشياتها الشيعية في الحرب على السوريين، مثلما تكون أنقرة قد أدت قسطها بالتواطؤ مع الغرب على مرور المجاهدين، ثم بالتواطؤ مع روسيا على أكذوبة مناطق التصعيد، لكن في الصراعات الدولية لا يصح دائماً أن من يبذل المجهود الأكبر يحصد نتائجه، وإلا كان السوريون قد سبقوا الجميع وحصدوا نتائج تضحياتهم.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019