إيران تتشدد في لبنان والعراق

حسن فحص

الأحد 01/12/2019

قد لا يشكل التلميح الفرنسي الذي يرتقي الى حدود التهديد بنقل الملف النووي الايراني الى مجلس الامن، موقفا نهائيا من الادارة الفرنسية في التعامل مع النظام الايراني في ما يتعلق بهذا الملف، في ظل حرص الرئيس ايمانويل ماكرون على ايجاد مساحة مشتركة بين الادارة الامريكية والنظام في طهران تسمح بالعودة الى الاليات السابقة للتعامل بعد توقيع الاتفاق بما يساعد في تخفيف التوتر ويفتح باب الحوار من جديد والتخفيف من الحصار الاقتصادي الخانق ضد ايران ويقطع الطريق امام الاجراءات الايرانية في الحد من تعاونها والتزاماتها في بنود الاتفاق التي اوصلت الاتفاق الى حافة الانهيار. 

الاستفاقة الفرنسية على الخطوات الايرانية التراجعية في الالتزام ببنود الاتفاق النووي، خاصة الخطوة الرابعة التي سمحت لايران باعادة تفعيل منشآة "فردو" للتخصيب بمستويات 20 في المئة من دون بلوغه واستخدام اجهزة طرد متطورة (IR6)، يبدو مفاجئا بعد مرور اكثر من شهر على تنفيذ هذه الخطوة ومع اقتراب موعد انتقال طهران الى الخطوة الخامسة في مسار الضغوط التي تمارسها على المجتمع الدولي خصوصا الترويكا الاوروبية (فرنسا والمانيا وبريطانيا) ودفعها للانتقال الى اجراءات تنفيذية تساعد على الالتفاف على العقوبات الامريكية. 

التهديد الذي اطلقه وزير الخارجية الفرنسي جان ايف لودريان عن امكانية اللجوء الى "آلية فض النزاعات" في الملف النووي في حال فشلت اللجنة المشتركة لمتابعة تطبيق الاتفاق النووي بالتوصل الى اقناع ايران وقف خطواتها الانسحابية من الاتفاق، تعني العودة الى نقل الازمة الى مجلس الامن الدولي المرجعية الوحيدة لاعادة النظر في الاتفاق واعادة تفعيل العقوبات الدولية ضد ايران بشكل تلقائي من دون ان يكون لاي من الدول حق الاعتراض او ممارسة حق النقض (الفيتو). هذا التهديد جاء مقرونا برؤية فرنسية تعتقد بامكانية ممارسة ضغوط على النظام بعد الاحداث الاخيرة التي شهدتها المدن الايرانية والاحتجاجات المطلبية نتيجة قرار رفع اسعار الوقود (البنزين)، على اعتبار ان هذه الاحداث قد اضعفت النظام واستقراره وبالتالي عليه تقديم تنازلات تحت ضغط ازماته الاقتصادية والداخلية. 

الانتقال الفرنسي من دور الحرص على ابقاء قنوات التواصل مع النظام الايراني مفتوحة في الملفات الاقليمية التي تشكل مصادر قلق حقيقي للقوى الدولية، وفي مقدمتها الازمة اللبنانية وما تعنيه من حساسية امريكية بما يعني الترسانة الصاروخية التي يمتلكها، والاقتراب من الموقف الامريكي خصوصا الرئيس دونالد  ترمب الذي لم يتراجع عن محاولات جر الدول الاوروبية لتبني سياسة الضغط الاقتصادي وفرص الحصار على طهران لاجبارها على تقديم تنازلات في الملفات المتنازع عليها، يحمل على الاعتقاد بان الجهود الفرنسية على الساحة اللبنانية قد اصطدمت بمستوى من التصلب ابداه حزب الله في رؤية لاليات حل الازمة اللبنانية ما جعل من الصعب عليه تحقيق اختراق على خط هذه الازمة، على الرغم من التفاهم الضمني بينهما – الجانب الفرنسي والحزب- على عدم الدفع بالوضع اللبناني الى هاوية السقوط او التفجير، بانتظار اللحظة التي قد تسمح باحداث تغيير في موقف اي من الطرفين. 

التحفز الفرنسي للانضمام الى سياسة "الضغط الاقصى" والاقسى التي تبنتها الادارة الامريكية ضد النظام الايراني لاجباره على العودة الى طاولة المفاوضات وتقديم تنازلات في الملفات النووي والصاروخي والنفوذ الاقليمي، يأتي في سياق الدور الذي تمارسه الادارة الفرنسية في التعامل مع الازمة اللبنانية التي يعتبر حزب الله الحليف الاقوى لطهران اقليميا واحد ابرز الفاعلين والمقررين فيه. خصوصا وان باريس تعتبر الجهة الدولية الاولى التي بادرت للتحرك على خط الازمة اللبنانية انطلاقا من اعتبارات مركبة تاريخية وسياسية وديمغرافية واقتصادية، وذلك من اجل استطلاع الاوضاع ومواقف الاطراف اللبنانية المعنية بالازمة ومن بينهم حزب الله الذي شكل احدى حلقات الحوارات التي عقدها موفد الرئيس الى لبنان مدير دائرة شمال افريقيا والشرق الأوسط في وزارة الخارجية الفرنسية كريستوف فارنو الذي التقى مسؤول وحدة العلاقات الخارجية في الحزب عمار الموسوي اضافة الى زيارات قام بها للرؤساء الثلاثة وممثلين عن بعض اطراف الحراك الشعبي. وهي الجلسات، وتحديدا اللقاء مع الحزب انتج رؤية فرنسية كانت حاضرة في الاجتماعات الثلاثية التي شهدتها باريس مع الادارتين البريطانية والامريكية حول الازمة اللبنانية وانتهت الى تمرير رسائل باسقاط شرط استبعاد الحزب عن اي حكومة مقبلة التي لا مانع بان تكون تكنو- سياسية. 

لا شك ان الدوائر الخاصة في حزب الله تعترف بان الحراك الشعبي الذي شهده لبنان خلال الايام الماضية، وعلى الرغم من حرصها على التأكيد بان هذا الحراك يتمتع بامكانية تشكيل عامل مساعد لتطبيق رؤيته الاصلاحية للنظام اللبناني، وبالتأكيد بعد التميير بين "الحراك النظيف" و "الحراك غير النظيف" او المرتبط بجهات واجندات غير لبنانية، الا انه ساهم في اضعاف قبضة هذا الحزب على الساحة اللبنانية، ما قد يفرض عليه تقديم تنازلات تتعارض مع الشعار الذي يرفعه في محاسبة الفاسدين، على الاقل في مسألة تمسكه بعودة رئيس الحكومة المستقيل سعدالدين الحريري الى موقعه في الرئاسة الثالثة وتلبية جزء من مطالبه في اختيار الفريق الوزاري، فضلا عن امكانية تقديم تنازلات غير معلنة لجزء من مطالب الحراك على اعتبار انه بمثل شريحة لبنانية ناهضة تريد المحاسبة وترفض مبدأ الهيمنة التي مارستها القوى السياسية على السلطة في لبنان خلال العقود الماضية وحولت الدولة الى اقطاعيات ومحاصصات طائفية وحزبية على حساب المؤسسات. 

يبدو، ومن خلال التطورات التي تشهدها المنطقة، خصوصا ما يتعلق بتطورات الازمة العراقية، وبعد ان استطاعت طهران قمع الحركة الاحتجاجية بكثير من القسوة، ان المرحلة المقبلة ستشهد المزيد من التشدد الايراني وحلفائه وعدم الاستعداد لتقديم اي تنازلات جوهرية في اي من الملفات المعنية بها، ومن المتوقع ان تمارس طهران مزيدا من التصعيد للحد من امكانية ارتفاع حجم الخسارة على الساحة العراقية، وبالتالي فان الجهود الفرنسي والامريكية ستبقى في حالة من التعليق بانتظار الموقف الايراني الاقليمي. 

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020