أردوغان فوق المئذنة

عمر قدور

السبت 15/02/2020
يصعب أخذ إنذار أردوغان بانسحاب قوات الأسد المُدارة روسياً إلى ما بعد نقاط المراقبة التركية بحلول نهاية الشهر على محمل الجد، فالانسحاب من المساحات الواسعة التي قضمتها تلك القوات على مراحل لا يعني إلحاق هزيمة بقوات الأسد، بل إلحاق الهزيمة والعار بموسكو وببوتين شخصياً. وكما نعلم فإن لجم بوتين في سوريا من قبل أنقرة يتطلب تغيير قواعد اللعبة أمريكياً، حتى إذا لم يصل الوضع إلى مواجهة مباشرة، إذ تحتاج أنقرة دعماً والتزاماً مضمونين سواء من واشنطن أو من حلف الناتو.

انضم زعيم الحزب القومي التركي دولت بهجلي إلى مزاد التحذير، بل مضى به أبعد عندما طالب بذهاب القوات التركية إلى دمشق لاقتلاع بشار. موسكو أبدت استياءها من تصريحات بهجلي، لأنها فهمت الرسالة التي تنص على تمتع أردوغان بدعم حزبين يشكلان الأغلبية البرلمانية، بينما تحاشت الرد مباشرة على تهديدات أردوغان. لكنها من طرف آخر هدّأت من وتيرة الهجوم على إدلب، وانصب جهدها للسيطرة على مناطق في محيط مدينة حلب بهدف تأمين الطريق الدولي حلب-دمشق الذي سيطرت عليه بالكامل أثناء العمليات الأخيرة.

في الرد على أردوغان، صوّرت موسكو عمليتها الأخيرة كإجراء تقني، فهي بموجب ما أعلنته كانت فقط تنفذ ما فشلت أنقرة بتنفيذه بموجب التزاماتها بمسار أستانة. كانت أنقرة في عام 2018 قد قبلت بإنشاء منطقة منزوعة السلاح وبفتح طريق دمشق-حلب، فضلاً عن تعهدها الغامض بفصل التنظيمات "الإرهابية" عن فصائل المعارضة. وإذا سايرنا المزاعم الروسية، نجد أنقرة قد التزمت إلى حد كبير بترحيل مقاتلي الفصائل التي تسيطر عليها من المنطقة منزوعة السلاح، ما سهّل على قوات الأسد بإشراف روسي اقتحام مناطق واسعة من ريف حماة الشمالي وريف إدلب الجنوبي في حملة عسكرية سابقة. حتى في الحملة الشرسة الأخيرة على ريف إدلب ومحيط حلب، لم تبادر موسكو قبل انطلاقها إلى توجيه إنذار بمغادرة المناطق المشمولة بالتفاهم المذكور، ولم تعلن حتى الآن أن هدفها النهائي يتوقف عند السيطرة على الطريق المذكور.

التفسير الروسي لتفاهمات أستانة لا يندرج إلا شكلاً في المماحكات التركية-الروسية، غايته الأهم إيهام الغرب بأن ما حدث عملية عسكرية محدودة ومنضبطة، ولا تستدعي تخوفات غربية من ملايين اللاجئين الجدد كما ينذر بهم الخطاب التركي. إن رقم 700 ألف مهجّر جديد لا أهمية له هنا، ولا أهمية لتوقيت العملية الذي يقتل المزيد منهم بسبب الظروف المناخية القاسية، فالرسالة هي أن الوضع تحت الضبط، ويستطيعون الذهاب إلى مناطق سيطرة تركيا الأخرى، خاصة شرق الفرات حيث تحاذر موسكو إلى أجل غير معلوم فتح جبهة هناك بسبب الوجود العسكري الأمريكي في الجوار.

الغرب أيضاً بمجمله لم يظهر اهتماماً لائقاً بالمأساة الإنسانية الفظيعة للهاربين من جحيم القصف الروسي والأسدي، والقليل جداً من اهتمام الإعلام بهم كان ملحقاً بمتابعة مستجدات الخلاف بين أنقرة وموسكو ليس إلا. هذه بمثابة إشارة إيجابية لا يصعب على بوتين التقاطها، فلو كان هناك إعداد لتحرك سياسي وعسكري غربي لواكبه اهتمام إعلامي أوسع من بوابة الاهتمام بالمأساة الإنسانية، والتحذير المعلن أو المضمر من انتقال أولئك النازحين في ما بعد إلى الغرب. المزاج الغربي عموماً ليس في وارد فكرة الحرب، ولا حتى استرجاع مناخات الحرب الباردة، ما لم تغيّر واشنطن في سياساتها المرتبكة والملتبسة في الشرق الأوسط، وتكون هذه السياسات ذات أفق استراتيجي لا يخضع لتقلبات مزاج ترامب.

لا يخشى بوتين مواجهة مع الغرب مستبعدة جداً، ما يخشاه هو دعم لوجستي غربي قد لا يكون علنياً لأنقرة يزيد من قدرتها ويحدّ من قدرة موسكو الميدانية. إذا وجد هذا الدعم فسيعرقل أهداف بوتين في قضم ما تبقى من إدلب في المرحلة المقبلة، وسيكون بمثابة ترسيم متفق عليه غربياً لتقاسم مناطق النفوذ، أي أن أهداف موسكو البعيدة ستتلقى ضربة قاصمة. هذا المستوى من المساندة الغربية لأنقرة يعفي أوروبا من مواجهة لا تريدها، ويريح ترامب الذي يسعى الكونغرس إلى مصادرة قرار الحرب منه، فوق أنه بعد التخلص من إجراءات عزله صار في أفضل حالاته للمنافسة في الانتخابات الرئاسية المقبلة، مع ما تتطلبه معركة الرئاسة من عدم التورط في مواجهات غير ملحة.

إعلان موسكو أنها تتصرف بموجب تفاهمات أستانة وسوتشي موجه أيضاً للغرب، من أجل الإيحاء بالتزامها بمسار وافق عليه الأخير وإن بقي على مسافة منه. موسكو لا تريد إعلان دفن تلك التفاهمات، رغم قيام آلتها العسكرية بذلك ميدانياً، بينما تسعى أنقرة إلى إعلان الدفن دولياً، بحيث يتحمل الغرب مسؤولياته. الحق أن أردوغان، وفق مَثَل معروف، لم يصعد مئذنة تهديداته الأخيرة فحسب، بل صعد قبل ذلك مئذنة مسار أستانة، وهو اليوم يريد النزول منها بعدما لم يعد قادراً على استيعاب المزيد من الخسائر.

الدرج الذي يريد أردوغان النزول عليه هو ترسيم الحدود وفق ما آلت إليه، وضمن تفاهم دولي على اعتبار مناطق النفوذ التركي بمثابة منطقة آمنة للاجئين القدامى والجدد. مثل هذا التفاهم يكرس اعترافاً دولياً بالوجود التركي، هو بأمس الحاجة إليه لمحو آثار الهزيمة والإهانة اللتين تلقاهما من موسكو، وهو أيضاً انتصار لفكرة المنطقة الآمنة التي لم يتجاوب معه الغرب فيها من قبل. مهلة نهاية الشهر التي وضعها أقرب لأن تكون مهلة للغرب كي يحسم أموره على هذا الصعيد من كونها مهلة عسكرية، من دون استبعاد لجوئه مع انقضائها بلا نتيجة إلى تصعيد عسكري محدود رأس حربته الفصائل المدعومة بالعتاد والتغطية النارية التركيين.

لقد وضع إنذار أردوغان توقيتاً فاصلاً، وربما علينا الانتباه جيداً إلى ما سيحدث حتى وحين انقضائه. ليس الوقت وحده هو الفاصل، وإنما طبيعة الصراع، فإما الهزيمة التركية التي ستلاحق أنقرة في ما تبقى من مناطق نفوذها، أو تحجيم طموحات بوتين إلى الحد الذي وصلت إليه فعلياً. إذا لم يحدث شيء جديد مع حلول ذلك التوقيت، أو عاد أردوغان عن تهديداته، فهذا يرجّح بقوة الاحتمال الأول.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020