روسيا "العظمى" الصغيرة

عمر قدور

الثلاثاء 18/06/2019
أربعة أشهر انقضت منذ بداية الهجوم الوحشي على ريف حماة وإدلب، وكما نذكر أتى التصعيد إثر قمة سوتشي الثلاثية التي جمعت بوتين بأردوغان وروحاني، القمة التي شاع أنها انتهت بلا تفاهم تركي-روسي. لم تظهر البصمة الروسية في بداية الهجوم، حيث بدا كأن موسكو تجس من الخلف نبض أنقرة، إلا أن الطيران الروسي سرعان ما انضم إلى طيران البراميل المتفجرة، ليباشر الأول عمله باستخدام أسلحة أكثر فتكاً، بما فيه الأسلحة المحرّمة دولياً.

خلال حوالي شهر من فشل إدارة الأسد للمعركة، كانت موسكو قد حشدت القوات التي تدربها وتسيطر عليها مباشرة، مثل ما يُسمى قوات النمر والفيلق الخامس، لتتولى ميدانياً قيادة المعركة بطياريها ومرتزقتها السوريين. أي أننا على بعد ثلاثة أشهر تقريباً من الانخراط الروسي جواً وبراً في الحرب على ريف حماة وإدلب، والنتائج "الباهرة" التي حققها الهجوم تتلخص تقريباً بأكثر من 300 ألف لاجئ من تلك المناطق التي تتعرض لسياسة الأرض المحروقة، أما على الصعيد العسكري فلا يمكن التحدث عن إنجاز مواز.

الفصائل التي تتصدى للهجوم الروسي، سمّها ما شئت، امتصت خسارتها في الهجوم البري الأول وأعادت تنظيم صفوفها، لتمتلك زمام المبادرة وتستنزف القوات المهاجمة في معركة كرٍ وفر. لم تستخدم هذه الفصائل أسلحة نوعية، وهي لا تمتلكها على أية حال، باستثناء حسن استخدامها لبعض مضادات الدروع. فضلاً عن ذلك، يُفترض أن الكفة العددية تميل إلى القوات المهاجمة، لأن الخزان البشري العسكري الذي تتحكم به موسكو هو عملياً قوات الأسد التي لا تخوض أية معركة أخرى.

ربما هناك ميزة تفتقر إليها القوات المهاجمة وهي الحافز للقتال، بينما تحوزها القوات المدافعة، وهذا جدير بأن يوضح طبيعة ما كان يُسمى قوات الأسد، فهي عملياً تشرذمت بين ثلاثة ولاءات، ولاء قسم منها للأسد، وولاء كتلة وازنة لموسكو أو طهران. الانقسام في الولاءات يعكس عقلية الارتزاق التي تسيطر على تلك القوات، من دون نسيان أولئك الذين يُساقون إلى الجبهة مرغمين. منذ البداية كان الأسد يدرك ضعف حافز القتال لدى قواته، لذا كانت مكافأتها بإطلاقها للاستيلاء على الممتلكات الخاصة في المناطق التي تقتحمها أو ما اشتهر باسم التعفيش، وللتعفيش وجهان هما العقاب الجماعي لأهالي المناطق الثائرة وتغذية حافز القتال لدى قواته. الإيرانيون ومن ثم الروس أتوا من النافذة نفسها، عبر منح رواتب ومزايا أفضل لمرتزقتهم السوريين، إلا أنها لم يلغوا ذلك الاعتماد على الغنائم، وفي كل الأحوال لا يكفي الطمع فيها وحده ليخلق حافزاً قوياً ومستداماً للقتال.

عدم توفر حافز معنوي، أو بالأحرى الإيمان بقضية، لا يفسر وحده الفشل الروسي. موسكو كانت قد طرحت نفسها بديلاً عن طهران حتى على صعيد تأهيل البنية العسكرية لتنظيم الأسد، وبينما اعتمدت طهران على ميليشيات محلية بالإضافة إلى الشيعية التي أتت بها من الخارج فإن موسكو تدخلت في البنية العسكرية لقوات الأسد كي تصنع منها جيشاً محترفاً حقاً. اختبار ريف حماة وإدلب يكشف عجز موسكو عن بلوغ ذلك الهدف، وهو فشل ذريع لأن القوات التي أشرفت عليها معدة أصلاً لخوض هذا النوع من المعارك.

تنصل المنصة الإعلامية لقاعدة حميميم من المسؤولية، برمي الفشل على قوات الأسد وحدها، يكشف أيضاً الإحساس الروسي بالخزي، والمغزى منه وجود تكتيكات عسكرية روسية صائبة لم تحسن تلك القوات تطبيقها، مع علم الجميع بوجود ضباط روس يديرون غرفة العمليات مباشرة. ثم إن موسكو تملك حافزاً للانتصار أكثر مما يملكه بشار نفسه، لأنها طرحت نفسها إعلامياً كضامن لما تزعم أنه "السيادة السورية"، ولتواصل ترويج دعايتها عن فعالية السلاح الروسي، والأهم لتستمر في طرح نفسها كقوة عظمى مشاركة في التوازنات الاستراتيجية للمنطقة ككل.

لم تحظَ روسيا في تاريخ حروبها بتواطؤ دولي كالذي تحظى به في سوريا، فمنذ تدخلها العسكري المباشر تلقت ما يمكن اعتباره هدايا من الوزن الثقيل بتسليمها مناطق من دون قتال يُذكر بعد قطع الدعم عن الفصائل الموجودة فيها. لقد رأينا مثلاً كيف تخلت واشنطن عن جبهة حوران، وقبل ذلك وبعده رأينا التفاهم التركي الروسي عبر مسار أستانة الذي اجترح أكذوبة مناطق خفض التصعيد وابتلاعها تباعاً، من دون أن ننسى ما تمثله تركيا بالنسبة لجميع فصائل الشمال المرتهنة لخط الإمداد. ثمة دول خليجية تخلت عن الملف السوري مع التدخل الروسي، وهناك صفقات اقتصادية سعودية وإماراتية عقدت مع موسكو إثر تدخلها، ما يعني حضور المباركة الخليجية أيضاً.

كل تلك المباركات أتت على خلفية توكيل موسكو القيام بالمهمة التي لا تستطيع دول إقليمية تنفيذها، ولا يريد الغرب التورط فيها، وهي ضبط الساحة السورية بعد الفشل الذريع الذي مني به تنظيم الأسد. من بين مطالب وتمنيات متباينة بين القوى الدولية والإقليمية، مهمة موسكو الأبرز والمتفق عليها هي إعادة تأهيل تنظيم الأسد ليصبح نظاماً، وليسيطر أمنياً على كافة الأراضي السورية، ومن بعدها أو بالتوازي معها يمكن إدخال بعض الإصلاحات التي لا تمس الجوهر المخابراتي المطلوب الإبقاء عليه. التكهنات التي راجت أحياناً حول توريط موسكو في مستنقع سوري لم يحدث ما يثبت صوابها، باستثناء ما تبرعت موسكو بالقيام به لتثبت الأيام خطأ تقديراتها وأن طموحاتها أكبر من إمكانياتها الحقيقية.

على رغم وحشيته الاستثنائية، وعلى رغم رفضه كل المبادرات السياسية، أصر العالم على بقاء بشار وزمرته في السلطة من خلال حرمان السوريين من وسائل فعالة للدفاع عن النفس. مجيء القوات الروسية لإنقاذه وتأهيله بعد فشله يثبت يوماً بعد يوم أنه خيار من نوع مشابه، فروسيا تثبت المرة تلو الأخرى أنها ليست تلك الدولة العظمى القادرة على تنفيذ مشروع متكامل عسكرياً وسياسياً، بل أثبتت في العديد من "المصالحات" التي ضمنتها أنها لا تقل أسدية عن أجهزة الأسد نفسه. في ساحة المعارك قدّم الطيران الروسي الأمثلة على قصفه غير العشوائي، فقط من خلال استهداف المنشآت الحيوية والطبية تحديداً بعد الحصول على إحداثياتها من هيئات أممية بغرض حمايتها من القصف، وهذه جرائم حرب لا تقدم عليها سوى مافيات من طينة الأسد وإن تفوقت عليه تنظيماً وانضباطاً.

حتى إذا حسمت روسيا المعركة بعد جهد وتضحيات بمرتزقتها فذلك لن يمحو عثراتها وهي ستكمل بعد ثلاثة أشهر السنة الرابعة من تدخلها العسكري، لن تمحو صورتها كدولة قادرة بصعوبة على كسب حرب روّجت أنها مجرد تمرين لقواتها. ولعل الإخفاق الأهم المنتظر هو عجزها عن إعادة تأهيل تنظيم الأسد، لتأتي مداراة العجز بالإنكار والتعنت السياسي فتؤكد تقليداً روسياً هو عدم الاستفادة من دروس الماضي.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019