لا استثمارات خليجية إلى سوريا..قريباً

إياد الجعفري

الخميس 10/06/2021

إذا كان هناك في دمشق أو موسكو، من يراهن على دفقة قريبة من الاستثمارات الخليجية إلى سوريا، عليه أن يعيد النظر في قراءته. فكل من قطر والسعودية أرسلتا رسالة متزامنة، وواضحة، لا لبس فيها. أن لا انفتاح من هاتين الدولتين، على الأقل، حيال نظام الأسد، في المدى المتوسط. ولا يبدو أن تلك الرسالة تخص الدوحة والرياض فقط، بل هناك مؤشر لا يمكن إغفاله، يجعل من أبوظبي، طرفاً فيها أيضاً.

  

هذا ما يمكن أن نفهمه من تصريحات وزير الخارجية القطرية الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، ومندوب السعودية الدائم بنيويورك. واللافت أن تلك التصريحات تزامنت في التوقيت، وكذلك في الجهة التي تم تمريرها من خلالها. إذ كانت التصريحات لصالح وسائل إعلام روسية. مما يعني أن المقصود إيصال الرسالة إلى موسكو، مباشرةً. كما جاءت في أعقاب كلام مستشارة الاسد، بثينة شعبان، عن جهود جارية لتحسين العلاقات مع الرياض، التي شاع أنها ستفتتح سفارتها في دمشق، بعيد عيد الفطر، مباشرةً. 


وهكذا تعرضت تلك الجهود التي تحدثت عنها شعبان، لانتكاسة من المتوقع أن تُخيّب آمال الروس بانفتاح خليجي على الأسد، يمدّه بسبل الحياة الاقتصادية عبر الاستثمار. كما وستُخيّب آمال نظام الأسد التي كانت قد ارتفعت للغاية إثر جولة سيرغي لافروف الخليجية، والتي شملت قطر والسعودية والإمارات، في آذار/مارس الفائت.


لكن لماذا قررت قطر والسعودية، على الأقل، فرملة أي انفتاح على الأسد؟ هناك أجوبة عديدة يمكن تقديمها لهذا التساؤل، منها الفيتو الأمريكي الذي ما يزال قائماً بخصوص ذلك، أو انتظار نتائج المفاوضات الثنائية الجارية بين الرياض وطهران، أو حتى انتظار نتائج مفاوضات إعادة إحياء الاتفاق النووي الإيراني. لكن من بين كل تلك الأجوبة، يوحي توجيه تصريحات المسؤوليَن في قطر والسعودية، لوسائل إعلام روسية تحديداً، أن الدولتين كانتا تنتظران خطوات روسية ما، تجعل أي انفتاح، سعودي بصورة خاصة، على الأسد، يحظى بحوافز مجزية. وهو ما لم يتحقق. وقد يكون ذلك مرتبطاً بصورة أساسية، بعرض القوة الذي نظّمه الأسد خلال مسرحية الانتخابات الأخيرة، والذي يوحي بأن النظام كان على قناعة بقدرته على تحصيل المكاسب من دون أي تنازلات.


ويبقى السؤال: هل شعرت السعودية تحديداً بضآلة جدوى استخدام الاستثمار الاقتصادي، كأداة للاستثمار السياسي على الساحة السورية، فقادها ذلك لتعليق انفتاحها المأمول على الأسد؟ الجواب، نعم. بل كان من المفاجئ أن تراهن السعودية ودول خليجية أخرى على دور نوعي للاستثمار، بغاية التأثير في السياسة بدمشق. فالموارد والقطاعات الاقتصادية السورية الرئيسية، والمثيرة للاهتمام، باتت في مجملها، في قبضة الروس والإيرانيين، بموجب اتفاقيات رسمية موقّعة من رأس النظام. وحتى القطاع السياحي، الذي روّج نظام الأسد للاستثمار فيه -إما عبر زيارة وزير السياحة التابع لحكومته إلى الرياض في نهاية الشهر الفائت، أو من خلال اجتماعات الدورة الـ/131/ لمجلس إدارة اتحاد الغرف العربية المُنعقد حالياً في دبي- يواجه تحدياً مرتبطاً بضبابية المشهد المتعلق بنفوذ اللاعبين الرئيسيين في مناطق سيطرة النظام. فهناك النظام ذاته، الضعيف تجاه الإرادة الروسية والإيرانية، والذي يُصدر من حين لآخر قرارات تطاول أموال واستثمارات رجال أعمال محليين، بذرائع شتى. وهناك الصراع البارد وتغير موازين القوى المستمر، بين روسيا وإيران، على الساحة السورية. ما سبق يجعل أي استثمار كبير في سوريا، مجازفة مكشوفة، ومعرضة بشدة للخسارة.


وبهذا الصدد، لا يخدم قانون الاستثمار الجديد الذي أصدره الأسد، الشهر الفائت، كثيراً، في تخفيف المخاوف الاستثمارية العربية في سوريا، رغم ما احتواه من إعفاءات ضريبية وجمركية نوعية، وصلت إلى 75% في بعض المطارح. ذلك أن المهم ليس القانون، بل من يطبق القانون. فهل تحوي سوريا بيئة قانونية رشيدة يمكن الركون إليها؟ الجواب نجده جلياً، في عزوف الغالبية العظمى من المستثمرين السوريين المغتربين عن العودة بأموالهم إلى البلاد، رغم كل المناشدات التي صدرت عن النظام في السنوات الثلاث الأخيرة.

 

وفي السياق، قد يكون من المفيد أن نعرّج على ما قِيل عن بعض الاستثمارات الخليجية العائدة إلى سوريا، بالسنوات الأخيرة. آخر تلك الأخبار، كان الإعلان عن تأسيس مصرف "بيمو السعودي الفرنسي للتمويل الأصغر"، في نيسان/أبريل الفائت. وهو خبر شابه الكثير من اللغط، إذ شاع في وسائل الإعلام المعارضة السورية، أن السعودية قررت التوسع مصرفياً في سوريا. وقد يكون سبب اللغط الرئيس عدم صدور نفي من البنك السعودي الفرنسي، ذلك أن الأخير باع حصته في بنك "بيمو سوريا"، منذ العام 2011، بعيد اندلاع الثورة بأشهر قليلة. لذا فإن بنك بيمو السعودي الفرنسي، الآن، هو بنك سوري خاص، يخلو من استثمار سعودي مباشر.


وعلى غرار ذلك، كانت الضجة التي رافقت الإعلان عن قيام "الشركة الكويتية – السورية القابضة"، عام 2018، بشراء قطعة أرض بريف دمشق، بمشاركة بعض المستثمرين السوريين، بقيمة 12 مليون دولار. وهي ضجة مفتعلة من إعلام النظام، ذلك لأن شراء الأرض حادثة قديمة، لكن الإعلان عنها كان في ذلك التوقيت.


وحتى لو افترضنا أن شراء تلك الأرض كان محاولة "كويتية" لسبر فرص الاستثمار في السوق السورية، قبل ثلاث سنوات، فإننا نستطيع الجزم بأن تلك المحاولة كانت يتيمة، ولم تتكرر حتى الآن، ناهيك عن كونها متواضعة للغاية مقارنة بحجم الاستثمارات الخليجية في سوريا قبل الثورة عام 2011، والتي كانت تقدر بأكثر من 30 مليار دولار أمريكي.


وبطبيعة الحال، لا ينفي ما سبق، توق بعض المستثمرين الخليجيين، لخوض غمار الاستثمار مجدداً في سوريا، وإن بحذر، في ضوء الدعاية المكثفة للنظام عن استقرار الأوضاع في البلاد لصالحه. لكن ذلك يتطلب غطاءً من حكومات الدول التي ينتمي إليها هؤلاء المستثمرين، كي لا يقعوا فريسة لعقوبات قانون "قيصر" الأمريكي. وهو سيف ما يزال مسلطاً على رقبة كل راغب بتجربة حظه على الساحة السورية، بصورة تجعل هذه التجربة غير جذابة.


وبذلك نخلص إلى نتيجة مفادها، أن لا أموال أو استثمارات خليجية في طريقها إلى سوريا، في المدى القريب والمتوسط. فالملف السوري سيدخل ثلاجة الانتظار، ويُهمّش لصالح ملفات أكثر أولوية منه، في نظر معظم اللاعبين بالمنطقة. 



©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2021