تركيا المنتصرة..وغير الحذرة

عائشة كربات

الأربعاء 26/12/2018
خلق قرار الولايات المتحدة بالانسحاب من سوريا أجواء انتصار في تركيا. لم تكن الآمال بتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة بهذا الارتفاع منذ بداية الربيع العربي. احتفالات الحكومة التركية عالية بما يكفي لقمع الأصوات التي تهمس: كن حذراً.
يناقش البعض بأن أحد أسباب قرار انسحاب الرئيس دونالد ترامب هو الوعود التركية المتكررة للقيام بعملية عسكرية على الضفة الشرقية لنهر الفرات. تحمي القوات الأميركية هناك حليفتها وحدات حماية الشعب، وهي ليست سوى امتداد لحزب العمال الكردستاني الذي يعتبر منظمة "إرهابية" بالنسبة لتركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
كان الدعم الأميركي للوحدات الحماية الكردية، بكل أشكاله، بما في ذلك التدريب وتوريد الأسلحة من أجل جعلها تقاتل ضد "داعش" أحد الأسباب التي دفعت أنقرة للتعاون مع روسيا وإيران. كانت موسكو سعيدة بجذب تركيا إلى جانبها لأسباب عديدة، ولكن بشكل رئيسي لخلق صدع داخل حلف "الناتو". إيران، على الرغم من التنافس المتأصل تاريخياً مع تركيا ودعمها حزب العمال الكردستاني من وقت لآخر، كانت سعيدة بالتعاون مع تركيا عندما يتعلق الأمر بسوريا. لذا، مهّد قرار ترامب الطريق لسحب تركيا مرة أخرى باتجاه واشنطن بعد ابتعادها.
بصرف النظر عن قرار الانسحاب، كانت هناك علامات أخرى على الجهود المبذولة لجذب تركيا تجاه الولايات المتحدة. قبل يومين فقط من القرار، علمنا من وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو أن مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي أطلق عملية على مستوى البلاد ضد منظمة غولن التي يعتقد على نطاق واسع أنها وراء الانقلاب الفاشل عام 2016.
ثم في الأسبوع نفسه، علمنا أيضاً أن وزارة الخارجية الأميركية وافقت في النهاية على بيع نظام "باتريوت" للدفاع الصاروخي الجوي إلى تركيا، وهو النظام الذي أرادت تركيا بشدة شراءه ولكن لم تحصل على إذن من الكونغرس الأميركي، ما خلق خيبة أمل آخرى لتركيا.
إضافة إلى كل هذه المكاسب خلال أيام متقاربة، سحب مكتب المدعي العام في نيويورك طلباً لإطالة مدة حكم أحد كبار المسؤولين التنفيذيين السابقين في بنك "خلق" الذي تديره الدولة والذي أدين بتهمة انتهاك العقوبات الأميريكية. مرة أخرى خطوة أرادت تركيا أن تراها يائسة.
كانت هذه هي نقاط الخلاف الرئيسية بين أنقرة وواشنطن ويبدو فجأة أنه قد جرى حلها أو على وشك أن تُحل. علاوة على ذلك، نعم، كل هذه التطورات حدثت بعد أن قُتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية في إسطنبول، وهو القتل الوحشي الذي خلق ضغطاً على ترامب، بمساعدة تركية.
هكذا أصبح كل شي فجأة جيداً بشكل أكبر من أن يصدق.
لكن الأسئلة التي لم يتم الرد عليها تحوم. مثل ما سيكون مستقبل الدعم الأميركي لوحدات الحماية، إذا كانت الولايات المتحدة، كما وعدت، ستستعيد الأسلحة الثقيلة التي سلمتها إلى الوحدات؟ ماذا سيكون الإطار الزمني للانسحاب؟ إذا كانت المؤسسة الأميركية، وهي المؤسسة ذاتها التي كانت مستعدة لضرب ترامب بسبب مقتل خاشقجي، ستلتزم قرار ترامب أم ستقبل بهزيمتها وتكف عن محاولة جعله يراجع قراره؟.
لنفترض أن جميع الإجابات على هذه الأسئلة تقدم بالتوازي مع رغبات تركيا. هل ستسمح موسكو، التي ترغب في إنهاء الحرب السورية في أقرب وقت ممكن والتركيز على مفاوضات الحل، لتركيا للقيام بعملية في الفرات الشرقية؟ أم هل سيستخدم الروس هذه الفرصة لأخذ وحدات حماية الشعب تحت جناجهم؟ هل هناك أي ضمان بأن الوحدات والنظام السوري لن يتعاونوا ضد تركيا؟ ماذا سيكون موقف إيران تجاه تركيا ووحدات حماية الشعب؟
في تغريداته عندما أعلن الانسحاب من سوريا، قال ترامب إن الوقت قد حان لكي يقاتل الآخرون.
هذا هو السؤال الأكثر أهمية: ما الذي كان يقصده حقاً؟
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019