حزب الله..واجب الثناء

ساطع نور الدين

الخميس 26/03/2020
لعلها من محاسن الصدف، ولطف الأقدار ليس إلا. ما زال لبنان، في الحدود الدنيا، المعقولة، من الخطر، برغم الكلام المتطاير في كل مكان عن أن الأسوأ لم يبدأ بعد. أعداد الضحايا ما زالت أقل بكثير من الارقام التي كان يسجلها البلد في يومياته العادية. وعلامات انهيار الدولة المصطنعة والمجتمع المفتعل والفرد الخاضع للإقامة الجبرية، ما زالت محتملة نسبياً..بالمقارنة مع دول كبرى تتهاوى الآن تحت وطأة الفيروس القاتل، وشعوب متقدمة تستعيد اليوم أسوأ ما في تاريخها من همجية وبربرية، تدحض معالم التحضر وأسباب الرقي.

يعرف الجميع ان الدولة اللبنانية مفرغة من الداخل، لكن هناك إحساساً شعبياً عاماً ،غير مألوف، بالحاجة الى التشبث بها، وبرموزها وهياكلها الموجودة ومؤسساتها القائمة، ومنعها من السقوط بإعتبارها خشبة الخلاص الوحيدة، أو على الاقل الرئيسية، التي تجتمع عليها الآن إرادة اللبنانيين، وتدور حولها كل الخطط والمبادرات والافكار للنجاة من الكارثة الراهنة.

ويعرف الجميع أن المجتمع عبر أكثر من مرة في خلال الشهرين الماضيين، عن تشرذمه وتفتته الى عناصر ما دون وطنية، وجاهر بطائفيته ومذهبيته وغرائزه المشينة، لكنه ما زال يحتفظ بقدر من الوعي والروح التي تدرك أن التضامن والتكافل الوطني هو شرط من شروط البقاء، وتتنبه الى أن الإنعزال ليس حلاً، ولا خياراً في مثل هذه الحرب الكونية.

ويعرف الجميع أن المواطن (ة) يلتزم السجن المنزلي، ويعتمد شروط الوقاية والنظافة المطلوبة، بدرجة مقبولة، ويثق الى حد بعيد، بأن قطاعه الصحي سيكون قادراً على الصمود وضبط أرقام الضحايا، بالتعاون بين الدولة ببنيتها الهشة، والقطاع الخاص بتركيبته المتفلتة. وعندما يأتي الاسوأ لن يكون على شكل السيناريو الايطالي او الإسباني او الاميركي او البريطاني، أو على شكل أي بلد أدركه الفيروس وإستحكم به. السيناريو الصيني كان ولا يزال مستبعداً في لبنان. لا الدولة مدعوة لمثل هذا الدور الشمولي  الفظ، ولا المجتمع قابل لمثل هذه الوظيفة المركبة.

في لبنان، ثمة الكثير مما يدعو الى الارتياح، لا الى الاطمئنان. كل شيء يمكن أن ينهار بلحظة. وإن كان الامر مستبعداً. وما زال هناك أمل بان يستمر خوض الحرب مع كورونا بطريقة أفضل من الحروب السابقة التي خاضها اللبنانيون، على إختلاف أنواعها. وما زال هناك مبرر للمباهاة بأن اللبنانيين لم يلجأوا مثل الاميركيين الى شراء السلاح والذخيرة بمعدلات إستثنائية كما يفعل الاميركيون اليوم، ولم يعمدوا الى رمي كبارهم في الشوارع كما يفعل الاوروبيون الآن، ولم يخزنوا أو لم يتقاتلوا على المواد الغذائية والصحية على نحو ما فعلوا مثلا خلال الحرب الاهلية.

السقوط السياسي والاجتماعي والثقافي المريع للدول والمجتمعات الغربية هو الآن واحد من أهم معالم تلك الحرب الكونية مع كورونا، التي فضحت حضارة كاملة، لم يبق منها سوى التطور العلمي والتقني الذي يمثل فرصة أخيرة للنصر على الفيروس المدمر، إذا ما توصل علماء الغرب ومختبراته الى إكتشاف العلاج.. وإلا فان الحياة على كوكب الارض تصبح في مهب الريح، ويدخل المليارات الثمانية من البشر في مرحلة الفناء.

في هذا السياق، لا من خارجه ، تبدو مبادرة حزب الله الى إعلان تعبئة جيش من المتخصصين والمتطوعين يقارب ال25 ألفاً ، وإستئجار مستشفيات، وفتح مراكز صحية ، وإعداد سيارات إسعاف ، وتشكيل لجان مراقبة  ومتابعة.. دليلاً على تلك المناعة النسبية التي يتمتع بها المجتمع اللبناني، والحصانة الواسعة التي يحظى بها القطاع الخاص، أو بالاحرى التي إكتسبها على مر السنين عندما فشلت جميع "محاولات العبور" الى الدولة. هي خطوة محمودة، حتى ولو وضعت في إطار حرب مؤلمة، أو إستعادت ذكرى حرب بشعة، أو تناست واقعة حرب مخزية. المهم أن ثمة شعوراً بالمسؤولية، ينافس الدولة ، يحثها، ويحرض الباقي من أحزاب وتيارات وهيئات على أن تحذو حذو الحزب، وأن تؤجل الصراع المضجر مع الدويلة، الى ما بعد القضاء على العدو المشترك.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020