الشتات المصري

شادي لويس

الثلاثاء 30/04/2019
بدا متواضعاً الاهتمام الذي نالته دعوة زعيم حزب "غد الثورة" والمرشح الرئاسي السابق، أيمن نور، لمعارضي النظام للبدء في حوار وطني. فالدعوة التي أعلنت قبل أسبوع، خلال مؤتمر صحافي، ووجهها نور إلى مئة من الشخصيات العامة والسياسيين في الداخل والخارج، لم تقدم جديداً سوى بعض النوايا الحسنة، وفهرس محفوظ بأسماء فاعلين سياسيين تجاوزتهم الأحداث. وتضيف الدعوة، مبادرة أخرى إلى قائمة طويلة من المبادرات والتحالفات والجبهات غير الفاعلة، وتصوراً غائماً عن الحوار والوحدة والبدائل. لكن ما لفت الانتباه أكثر واستدعى غضب البعض، كان تعليق عضو المجلس القومي لحقوق الإنسان، جورج إسحق، على المبادرة التي ورد اسمه فيها. ففي تعليق له، يوم الجمعة الماضي، في "برنامج بتوقيت مصر"، على "التلفزيون العربي"، شكك إسحاق في معارضة الخارج، ورفضها على إطلاقها، وأضاف إن "اللي عايز يعارض يتفضل يجي هنا، ويدفع التمن زي ما احنا بندفع".

وتبدو بقية اعتراضات إسحق، على المبادرة، مفهومة. فصاحبها لم يتواصل مع الأسماء المئة التي ضمنها في دعوته، وأعلن عنها خلال مؤتمر صحافي من دون مشاورتهم أو اطلاعهم عليها. وبالطبع، فإن الأمان الذي يتمتع به نور المقيم في الخارج، لا يتمتع به بالضرورة إسحاق، ولا الآخرون ممن وردت أسماؤهم في الدعوة من المقيمين في مصر. وربما كان تعليق إسحق اللاذع، ووصفه للدعوة بالفجاجة، رد فعل غاضباً على توريط نور له ولغيره، من دون الرجوع إليهم، وربما تعريضهم لأذى السلطات من دون رغبة منهم، ومن دون مشاركته لهم المخاطرة نفسها.

ومع هذا، فإن الرفض المطلق للعمل السياسي من الخارج، والمؤسس على تقاليد المعارضة في فترة مبارك، يظل مجحفاً ومفتقداً للحساسية. ففي الماضي، حين كانت صفة "المهجر" كفيلة بوصم أي تجمع أو صوت يحملها، كانت هناك مساحات متاحة في الداخل للعمل السياسي، ولو في حده الأدنى. وكانت السلطة تبدي تسامحاً نسبياً مع معارضيها في حدود بعينها. ما يغيب عن إسحاق، هو حقيقة الشتات المصري غير المسبوق، سواء في عدده أو تركيبته، والذي أفرزه نظام 30 يونيو. لا دراسات موثقة أو حتى أعداد تقريبية، لكن ما يمكن تأكيده أن آلاف المصريين فروا من البلاد أو أرغموا على الفرار، وأن آلافاً آخرين يخشون العودة. ولم يقتصر الأمر على الأحكام القاسية والمطاردات الأمنية وعمليات التصفية، التي دفعت منتمين لجماعة الإخوان وعائلاتهم وغيرهم من المحسوبين عليهم، ولو على سبيل الصدفة، لمغادرة البلاد. فالمنتسبون للمعارضة العلمانية، وطيف واسع من العاملين في المجالات البحثية والحقوقية والإعلام والفنانين والأدباء والرياضيين والأكاديميين وشخصيات عامة وغيرهم، أضحوا عرضة للمضايقات في المطارات المصرية، والمنع من السفر، ورفض تجديد الأوراق الثبوتية وجوازات السفر، سواء في الداخل أو في السفارات المصرية في الخارج. بل وفي أحيان أخرى، تم تهديد ذويهم في الداخل، للضغط عليهم وإرغامهم على الرجوع أو الصمت. ويبدو أن السياسات المنهجية للنظام المصري قد نجحت بالفعل في دفع الكثير من معارضيها لمغادرة البلاد، بل وترهيبهم بما يكفي في الخارج لإرغامهم على الصمت.

يتناثر الشتات المصري اليوم في منافيه بين الخليج وتركيا ودول الغرب، ويتوسع إلى ملاجئ كانت غير مطروقة في الماضي، تصل إلى ماليزيا وكوريا الجنوبية وجورجيا وغيرها. ويبدو لمعظم هؤلاء أن تعليقات إسحاق عقوبة إضافية لعقوبة الاغتراب والنفي والحرمان من ذويهم، ومهانة لا تقل إيلاماً عن هذا كله.

ينتمي منطق وخيال المعارضة، في حالة كل من نور وإسحق، إلى زمن تجاوزه الواقع. فلا الوضع الحالي يمكن التعامل معه عبر البيانات الصحافية للشخصيات العامة والمبادرات التي تطلقها الكيانات المفتقدة لانتظام جماهيري.. كما لا يبدو ممكناً إصلاحه من داخل منظومة الدولة نفسها ومجالسها. وفي خضم هذا كله، من الواجب الاعتراف بهذا الشتات المصري، والإقرار أخيراً بأنه ليس عارضاً ولا مؤقتاً، وبالتالي التأكيد على حقه في العمل السياسي في منافيه، جنباً إلى جنب مع إدراك مسؤولياته تجاه مَن في الداخل، وحدودها الأخلاقية.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019