الانتخابات الأوروبية:ليس اليمين بالضرورة مقوّض الاتحاد

حسن مراد

الثلاثاء 28/05/2019
هي صفحة من التاريخ يعرفها الجميع: انهيار بورصة وول ستريت العام 1929، عبّد الطريق أمام النازيين للوصول إلى السلطة في ألمانيا. يبدو أن التاريخ ينوي تكرار نفسه: فبعد 11 عاماً على أزمة الرهن العقاري، وما تلاها من أزمة الديون السيادية في أوروبا وتخبط اقتصادي مستمر حتى اليوم، أتت نتائج انتخابات البرلمان الأوروبي لتؤكد مرة جديدة على تقدم أحزاب اليمين المتطرف، إذ حصدت مجتمعةً ما يقارب 172 مقعداً مقارنة بـ154 في انتخابات العام 2014. كما حلت في المرتبة الأولى، في عدد من الدول كفرنسا وايطاليا وبريطانيا، فيما تمكنت من تحقيق تقدم ملموس في دول أخرى مثل ألمانيا وبلجيكا.

صحيحٌ أن هذه الأحزاب لم تحصد الغالبية داخل البرلمان، لكن ذلك لا يهمش الانقلاب الحاصل في المشهد الأوروبي على صعيد الأحزاب التقليدية: من تراجع الكتلتين الرئيسيتين (يمين الوسط والاشتراكيين الديموقراطيين) وتحول كتلة "الخضر" إلى القوة الرابعة وهي مفاجأة الاستحقاق غير المتوقعة.

صعود أحزاب اليمين المتطرف، التي لا تخفي عدائيتها للاتحاد الأوروبي، عدائية مطلقة أو جزئية، أصبح هاجساً يقض مضجع الأحزاب والشخصيات أوروبية الهوى. في الواقع، فإن مدّها المتصاعد بات أبعد من مجرد واقع اقتصادي متردٍّ، إذ تحول إلى ترجمة لتداعي الأسس التي قامت عليها الشراكة الأوروبية منذ العام 1952.

الدافع الأساس لإطلاق قطار الشراكة كان تلافي اندلاع أي نزاع عسكري جديد، بعدما وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها. فلم يكن صعباً التسويق لهذه الشراكة، بل فرضها بالقوة أحياناً، تحت مسمّى تحصين السِّلم. لكن بعد 74 عاماً، بات السلام بديهياً لأجيال لم تعرف الحرب، وبالتالي فإن مقاربة الأوروبيين لهذا الملف انحصرت في زاوية المصلحة التي تجنيها دولهم من هذه الشراكة المتجسدة اليوم في الاتحاد الأوروبي.

على مرّ العقود، أضحى العنوان الرئيس لهذه الشراكة، هو التعاون الاقتصادي الكفيل بتوفير الازدهار والارتقاء بمستوى المعيشة. لكن، مع توالي الأزمات الاقتصادية والمالية منذ العام 2008، بات يُنظر للسوق الأوروبية المشتركة والوحدة النقدية، ليس فقط كأحد المسببات لما آلت إليه الأمور، بل أيضاً كعائق أمام الخروج من هذا التخبط. فتخلي الدول عن جزء من سيادتها الاقتصادية، لصالح مؤسسات أوروبية من جهة، وعلوّ القوانين والأنظمة الإقليمية على نظيرتها المحلية من جهة أخرى، أدى إلى تضييق صلاحيات الحكومات الوطنية في بلورة سياساتها (الاقتصادية والمالية والنقدية) بصورة مستقلة تراعي مصالحها الذاتية.

تجلى هذا الأمر خلال الأزمة اليونانية العام 2015، عندما عجزت حكومة ألكسيس تسيبراس عن السير في برنامجها بمعزل عن المؤسسات الأوروبية القائمة. لكن المؤشر الأخطر الذي أفرزه المشهد اليوناني في حينها، كان تداعي أحد الأعمدة التي قامت عليها الشراكة الأوروبية.

تستحيل مقاربة مسار الاتحاد الأوروبي بمعزل عن الثقافة الديموقراطية لدوله الأعضاء، وهو ما أكدت عليه جميع المعاهدات والاتفاقات الموقعة. ما جرى، أن المهيمنين على القرار الأوروبي، من تكنوقراط وحكومات (برلين على وجه الخصوص)، ضربوا بعرض الحائط الإرادة الشعبية اليونانية بعد الاستفتاء الشهير، وهو استفتاء رفض بموجبه اليونانيون برنامج التقشف الذي تقدمت به الترويكا (المفوضية الأوروبية، البنك المركزي الأوروبي، صندوق النقد الدولي)، لكنه عاد وفُرض على الحكومة اليونانية.

مسار الأمور، شكلاً ومضموناً، أظهر أن الإرادة الشعبية لم تعد ذات قيمة: فما الفائدة من التغني بالنموذج الديموقراطي الأوروبي واعتباره شرطاً من شروط الانضمام للاتحاد، طالما أن "الآمر الناهي" باتت مؤسسات وحكومات أجنبية تفتقد للشرعية الانتخابية داخل الدول الأعضاء، لكنها قادرة على فرض رؤيتها على حكومات منتخبة؟

قد يبرر البعض هذه الممارسة بضرورة سيادة المصلحة الإقليمية الكلية للاتحاد الأوروبي، على أي مصلحة وطنية، وهو ما يعني ضرورة تكافل وتضامن الدول الأعضاء في ما بينها والتضحية بمصالحها الذاتية في سبيل المصلحة الإقليمية العليا.

من الناحية النظرية هي حجة لا غبار عليها، فالاندماج الاقتصادي يفرض هذا النوع من السلوك، لكن انفجار أزمة النازحين خلال السنوات الأخيرة أطاح هذا المبدأ. فحين سعت المفوضية الأوروبية لفرض كوتا لتوزيع النازحين على الدول الأعضاء، سارعت حكومات أوروبا الشرقية إلى التملص من مسؤولياتها هذه، معتبرةً نفسها غير معنية بهذه الأزمة، خصوصاً أن الوجهة المفضلة للنازحين هي الشطر الغربي من القارة أو الدول الإسكندنافية. خطاب عكس نية هذه الدول في الاستفادة من الامتيازات من دون الالتزام بالواجبات المترتبة.

ورغم فتح العديد من الدول أبوابها أمام النازحين، فقد أتى ذلك بعد تردد وجدل، وازدادت الأمور تعقيداً مع انتشار خطاب عنصري يعتبر النازحين تهديداً ثلاثي الأبعاد: أمني، اقتصادي وثقافي، طُرحت معه اشكالية أخرى بالغة الحساسية: ما الذي بقي من أوروبا حقوق الإنسان؟

كل ما سبق ذكره أدى إلى زعزعة الأسس التي قامت عليها الشراكة الأوروبية، كما نجحت أحزاب اليمين المتطرف في إعادة تدوير خطابها السياسي وتقديم نفسها كبديل، مستفيدة طبعاً من المناخ آنف الذكر، فكانت النتيجة هي التركيبة الجديدة للبرلمان الأوروبي.

رغم ذلك، لن يتمكن اليمين المتطرف بالضرورة من تقويض مؤسسات الاتحاد، ليس فقط لافتقاده للغالبية النيابية، بل لعجز قد تُمنى به أحزابه عن تشكيل كتلة موحدة، نظراً للتباينات في ما بينها. ففي انتخابات العام 2014، شكّل نواب هذا الفريق ثلاث كتل، حتى أن بعضهم انضم إلى كتلة اليمين التقليدي.

ورغم الرؤية والأهداف المشتركة لهذه الأحزاب، حيال ملفات الأمن والهجرة والهوية الثقافية، واعتبار أن التهديد المتربص بأوروبا يأتي من الشرق، سواء كان خطراً اقتصادياً من الصين أو ثقافياً - إرهابياً من مصدر إسلامي.

لكن التلاقي لا ينسحب على المجالين الاقتصادي والسياسي. فالعلاقة والمصالح المشتركة التي تجمع مارين لوبان، بالكرملين، تدفع بعدد من أحزاب أوروبا الشرقية، مثل "حزب العدالة والقانون" البولندي، إلى الحذر من تشكيل كتلة واحدة معها. كذلك الأمر على الصعيد الاقتصادي، ففيما ينادي "حزب التجمع الوطني" الفرنسي بإعادة الاعتبار لدور الدولة في الحياة الاقتصادية، نلاحظ في المقابل أن طروحات "حزب الحرية" النمساوي شديدة الليبرالية لدرجة تجعلها لا تختلف عن الرؤية الاقتصادية الأوروبية السائدة.

والتباين ينسحب حتى على فكرة الاندماج. فبينما يرغب "حزب فوكس" الإسباني بالابتعاد عن الاتحاد الأوروبي، لتستعيد إسبانيا سيادتها كاملة، نلمس حماساً وتأييداً من قبل حزب "فيدس" المجري للصيغة الحالية للاتحاد الأوروبي، نظراً للمكاسب التي تجنيها المجر على مستوى جذب الاستثمارات.

عاماً بعد آخر، تتوالى الاستحقاقات الانتخابية في القارة العجوز بين أوروبية ووطنية. مع كل استحقاق، يتضح تنامي الحضور السياسي لأحزاب اليمين المتطرف حتى بلغت السلطة في عدد من الدول. ورغم أن المشهد يتفاوت بين دولة وأخرى، فإن هذه الموجة تعكس أزمة بنيوية على كافة المستويات (السياسية، الاقتصادية، الثقافية)، والصعد (أوروبياً ووطنياً). أزمة آخذة في التجذر، طالما أن الحكومات الوطنية والمؤسسات الأوروبية ليست في وارد إعادة النظر في سياساتها السابقة، يضاف إليها الزخم الدولي المواكب لهذه الموجة من الولايات المتحدة والبرازيل، وصولاً إلى روسيا.
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019