الثورة السورية بين النقد والانتقاد

سامي حسن

السبت 02/03/2013
 منذ اندلاعها تعرضت الثورة السورية لشتى أنواع الانتقادات. فهناك من وصفها بالغوغائية والشعبوية. وهناك من اتهمها بالطائفية والسلفية. وأصرّ آخرون على أنها تمرّد مجموعات من العصابات المسلحة.
 يمكن تقسيم منتقدي الثورة  إلى فئتين رئيسيتين: الأولى، مرتبطة بالنظام. والثانية، محسوبة على المعارضة، لكنها لسبب أو لآخر، وقعت فريسة الفوبيا مما هو قادم، ولم تعد ترى من الثورة إلا سلبياتها. على النقيض مما سبق،  برز خلال الثورة  العديد من الكتاب الذين قاموا بنقدها، والذين يمكن تسميتهم بنقاد الثورة. إذا كان النقد بمفهومه البسيط هو قراءة أو تقييم موضوع ما (تجربة سياسية، ظاهرة اجتماعية، كتاب أو مقال،...إلخ) والإحاطة به من جميع جوانبه، وإظهار ما يتضمّنه من إيجابيات وسلبيات، ونقاط قوة وضعف، فإن الانتقاد، فهو  تسليط الضوء، حصراً، على السلبيات والثغرات التي يتضمنها ذلك الموضوع. أي أنه، إن جاز التعبير، نقد باتجاه واحد. فإذا كانت الموضوعية هي المنهج الذي يميز النقاد، فإن الانتقائية هي السمة المميزة للمنتقدين. هنا لا بد من التنويه إلى أن الموضوعية التي يجب أن يتحلّى بها النقد، ربما لا تنطبق تماماً على حالة الثورات. وعليه، مهما بلغت موضوعية نقاد الثورة السورية، لا يمكن تجاهل تأثر تلك الموضوعية، بحقيقة أن غالبية هؤلاء النقاد، هم جزء لا يتجزأ من الثورة التي ينقدونها. وبالتالي فإن نقدهم لها، ينطلق أساساً من حرصهم عليها، وعلى تجنيبها كل ما من شأنه أن يعرقل تطوّرها وانتصارها.
 على رغم صعوبة الفرز والتصنيف، إلا أنه بالإمكان تقسيم هؤلاء النقاد إلى فئتين، الأولى لم يمنعها انحيازها للثورة، والتغني بها، وتفنيد مزاعم منتقديها، من الحديث عن سلبيات الثورة وأخطائها، والتنبيه من خطورة بعض الممارسات التي ظهرت فيها، كتلك المتعلقة بتسمية أيام الجمع، ونوعية بعض الشعارات واللافتات. أما الثانية ، وانطلاقاً، من قناعتها بأن الحديث عن الأخطاء والسلبيات  يشوّش على الثورة ، ولا يخدم إلا أعداءها، فقد آثرت الاستمرار في مغازلة الثورة، والتزام الصمت تجاه أخطائها، أو الاكتفاء بالإشارة إليها باستحياء؟
 يلاحظ هنا أن منحنيي السلوك النقدي، لكلا الفئتين، كانا خلال الأشهر الأولى شبه متطابقين. ذلك يعود إلى عدم وجود أخطاء تذكر خلال تلك الفترة، باستثناء بعض المسائل التي أشرنا لها. لكن دخول المكوّن العسكري على خط الثورة السورية، كان بمثابة قرع الجرس لبدء التباعد بين المنحنيين المذكورين. وهنا ليس المقصود أن إحدى هاتين الفئتين كانت مع هذا المكون والأخرى ضده، فكلاهما اعتبر ظهور هذا المكون هو نتيجة منطقية لعنف النظام. وكلاهما رحب به، وراهن عليه، ونادى بدعمه. لكن طبيعة المكون العسكري وظروف نشأته، وتشعب علاقات أطرافه، وآليات عمله، وتكتيكاته، كل ذلك شكّل تربة خصبة لإمكانية نمو الأخطاء والسلبيات. وهو ما نظنّ أنه قد حصل؟
 هنا، بدا واضحاً، أن إحدى الفئتين، استمرت على عادة غضّ الطرف عن السلبيات، أما الأخرى فبدأت بلفت الانتباه إلى تلك السلبيات والتحذير من مخاطرها. لكن تطور الصراع العسكري على الأرض، وتداعياته الخطيرة على المدنيين، وفشل المكون العسكري في التوصل إلى تشكيل قيادة موحدة، وعدم بلورته لخطاب موحد، ونشوء بعض الظواهر السلبية الخطيرة، كتشكل بعض المجموعات غير المنضبطة والمشكوك بسلوكياتها، وقيامها بالخطف على الهوية، وطلب الفدية، وغير ذلك، دفع من جديد كلا الفئتين، للاقتراب من بعضهما البعض، والحديث بوضوح عن تلك السلبيات، وتوجيه انتقادات حادة لمن يقف وراءها. والدعوة لإعادة قراءة التجربة برمتها وتقييمها وتقويمها؟
 
 ربما يقول قائل إن الوقائع على الأرض تشير إلى محدودية تأثير نقاد الثورة على الثورة ومجرياتها؟. قد يكون في هذا القول الكثير من الصحة، لكنه لا يقلل، بحال من الأحوال، من أهمية النقد، بل، ومن ضرورة ممارسة نقد النقد، وخصوصاً عندما يكون هذا الأخير رخواً، أو متأخراً عن مواكبة تطوّرات الثورة. 
 
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020