"جهاد" الكرملين النفطي

بسام مقداد

الأربعاء 08/04/2020
حرب النفط السعودية الروسية ، التي اندلعت في السادس من الشهر المنصرم ، إثر فشل إجتماع أوبك+ في تمديد إتفاقية 2017 بين روسيا وأوبك في حينه ، لا تبدو نهايتها قريبة   . ولا يبدي كثيرون من خبراء النفط الروس أملاً كبيراً في نجاح إجتماع وزراء طاقة أوبك+ ، الخميس في 9 الشهر الجاري ، في إحياء الإتفاقية السابقة بشروط جديدة ، فرضت المفاوضات الصعبة بشأنها تأجيل الإجتماع من 6 إلى 9 من الشهر الجاري.  

وكان الطرفان الروسي والسعودي ، طيلة الفترة الفاصلة بين إجتماعي أوبك+ ، يتبادلان التهم بشأن المسؤولية عن فشل الإجتماع الأول ووضع العراقيل في وجه التوصل إلى اتفاق جديد على توزيع حصص التخفيضات الإضافية في سوق النفط . واصبح هناك إجماع بين جميع الإطراف ، بمن فيهم الولايات المتحدة ، بضرورة تخفيض الإستخراج بمقدار 10 ملايين برميل يومياً ، لكن الصعوبة تبقى في الإتفاق على توزيع هذه التخفيضات ، وعلى نقطة الإنطلاق في هذا التوزيع  ، وهذا ما ينبغي أن يعالجه إجتماع الخميس المقبل . 

صحيفة الكرملين "VZ" أعلنت االثلاثاء في 7 من الجاري ، بأن السعودية وجهت إنذاراً إلى روسيا ، شكل السبب في صعوبات التوصل إلى اتفاق بشأن تخفيض استخراج النفط . ونقلت الصحيفة عن مصادر "مطلعة على الوضع" ، لم تذكرها ، بأن السعودية تريد أن تُحمل روسيا من التخفيضات اكثر من سائر الأطراف الآخرى ، في حين أنها لا تُحمل هي نفسها تخفيض أكثر من نصف مليون برميل في اليوم ، إذا انطلق حساب التخفيضات من وضع السوق كما كان عليه قبل شهر آذار الماضي . 

صحيفة "NG" ، التي تقول بأنها مستقلة  ، رأت أن "موسكو تخسر الحرب النفطية" ، وقالت بأن صفقة أوبك+ تهدد روسيا بخسارة السوق ، أما غيابها عن الصفقة فيهددها بالعقوبات الأميركية . وأشارت إلى أن مجرد تأجيل الإجتماع من 6 إلى 9 الشهر الجاري ، قد ألهب السوق ، وجعل سعر برميل النفط يتجه إلى الإرتفاع . وقالت بأن الخبراء  يشيرون إلى أنه في حال تخفيض الإنتاج إلى 10 ملايين برميل في اليوم ، تعود السعودية إلى مؤشرات مطلع آذار . أما روسيا ، التي اقترحت في إجتماع مطلع آذار/مارس أن تخفض إنتاجها بمقدار 500 ألف برميل يومياً ، سوف يتعين عليها الآن أن تخفض أكثر من ذلك . وهي نفسها تقترح بأن تُخفض جصتها في السوق بمقدار مليون برميل في اليوم ، لكن بشرط إنضمام واشنطن والرياض للصفقة . 

وقالت الصحيفة ، أنه بعد الإنخفاض الإستثنائي لأسعار النفط ، وبعد انهيار الروبل وبروز ثغرات في ميزانية روسيا ، يبدو أن العودة إلى المفاوضات لم تعد مستبعدة ( وزارة الطاقة الروسية أكدت الثلاثاء مشاركة روسيا في اجتماع الخميس) . وذكرت بتصريح بوتين نهاية الأسبوع الماضي ، الذي قال بإمكانية أن ينتهي إجتماع أوبك+ بقرار تخفيض الإنتاج بمقدار 10 ملايين برميل في اليوم ، " لكن يجب أن يتم التخفيض كشركاء". واقترح وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك ، أن يجري تخفيض حجم الإنتاج لبضعة أشهر والعودة بعد ذلك إلى رفعه حسب ارتفاع الطلب . 

من جهتها ، وفي مقالة بعنوان "الجهاد النفطي : العرب ما عادوا يصدقون كلام بوتين" ، نقلت صحيفة القوميين الروس "SP" عن كبير الباحثين في معهد السياسة الإقتصادية سيرغي جافارنكوف قوله ، بأنه حتى لو صدقنا بأن روسيا كانت موافقة على الصفقة(في إجتماع 6 آذار/مارس) ، وطالبت السعودية بتخفيض أكبر لحجم الإنتاج ، كان على روسيا أن تقبل بذلك . ويذكر هذا الباحث ، بأن قيصر النفط الروسي ، مدير شركة "روسنفط" ، كان قد أعلن هو نفسه إثر ذلك الإجتماع ، بأنه يرفض زيادة التخفيضات في حجم الإنتاج . وقال بأن الرئيس الأميركي سبق له أن رفض عمليا إقتراح بوتين بتشكيل كارتل نفطي جديد أوبك+ روسيا + الولايات المتحدة ، وينبغي ، برأيه ، أن نتوقع ظهور كارتل أوبك+ الولايات المتحدة ، لكن بدون روسيا . وذكّر الرجل ، بأن تغريدة واحدة من ترامب حول توقعه بإتفاق روسيا والسعودية على تخفيض الإنتاج بمقدار 10 ملايين برميل في اليوم ،  كانت كافية لجعل أسعار النفط تعاود الإرتفاع من جديد .إثر ذلك قرر بوتين أن يماثل ترامب ، وقال بإمكانية تخفيض الإنتاج بالحجم عينه ، لكن الأسواق لم تلتفت إلى ذلك ، لأن الفرق شاسع بين حجم الإقتصاد ، الذي يمثله ترامب ( 21,5 تريليون $ ) وحجم الإقتصاد ، الذي يمثله بوتين (1,6 تريليون $ ) . 

موقع "ROSBALT" المعارض والمتهم باليسارية ، نشر بدوره مقالة بعنوان "بوتين ، ترامب والأمير محمد يدفنون عصر النفط" ، وقال بأن موسكو ، إذ توافق على "إحياء" أوبك+ ، لا تسعى لإلغاء العقوبات فقط ، بل تسعى أيضاً لتحقيق نصر إستراتيجي على الغرب. وأشار كاتب المقالة في الموقع ، إلى اعتقاده بأن موسكو لا تكتفي بمجرد العودة إلى الصفقة مع أوبك ، بل من الواضح أنها تريد ما هو أكثر من ذلك ،  وتحت حجة الأزمة ، التي ضربت العالم بأسره ، تسعى لجعل الغرب يقدم على إلغاء العقوبات ، التي فرضها عليها. وهذا كحد أدنى، فهي ، كما يبدو ، تسعى إلى جعل الغرب ينسى القرم ، ويكف عن مقاومة سعيها إلى جعل كل بلدان الإتحاد السوفياتي السابق منطقة للمصالح الروسية فقط . وذكّر بكلام بوتين في القمة الأخيرة لمجموعة العشرين ، حيث طالب بنسيان الخلافات ، وبإنشاء ما يسمى "الممرات الخضراء" ، أثناء فترة الوباء، والتي تكون خالية من الحروب التجارية والعقوبات، وذلك من أجل تبادل شحنات الأدوية والمواد الغذائية والمعدات والتكنولوجيا.   لكن دعوات بوتين هذه لم تلق آذاناً صاغية في الغرب ، وظهر ذلك جلياً لدى التصويت ، في الجمعية العامة للأمم المتحدة ، على المشروع الروسي ، الذي تحجج بوباء فيروس الكورونا، لكي يدعو إلى إلغاء العقوبات المفروضة من جانب واحد ، والذي صوت ضده الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وسواهما.

وبعد أن يعدد الكاتب مشاكل كل من الولايات المتحدة وروسيا والسعودية مع أزمة انهيار أسعار النفط ، ومحاولة كل منهم شد الغطاء النفطي صوبه ، يقول بأنهم لن يستطيعوا شيئاً ، حتى مع إحياء الصفقة القديمة . ونحن نعيش ، برأيه ، زمن إنتهاء عصر النفط ، ليس لأن النفط ينضب ، "فالعصر الحجري قد انتهى ، ليس لأن الحجارة نضبت عن وجه الأرض" ، وأزمة انهيار أسعار النفط لا تعود فقط لانتشار وباء فيروس الكورونا ، بل لانخفاض الطلب الصيني على النفط ، والذي لن يعود إلى سابق عهده ، برأيه. 

لكن الوضع الحقيقي ، الذي يعيشه الروس في ظل انهماك الكرملين في "جهاده"  النفطي هذا ، عبر عنه الكتاب المفتوح ، الذي توجهت به صحيفة "NOVAYA" المعارضة في 6 من الشهر الجاري ، إلى كل من بوتين وولي العهد السعودي ، لإنقاذ الطفل الروسي إليوشا (لم يبلغ العامين بعد) من مرض عضال ، يبلغ ثمن جرعة العلاج الواحدة من دوائه 2,1 مليون دولار. يقول الكتاب ، الذي نُشر بالروسية والعربية والإنكليزية ، بأن هناك 150 طفلاً روسياً يعانون من المرض عينه ، وبأن إجابات الإدارات الرسمية الروسية تتلخص في حقيقة ، أن روسيا لا تستطيع تحمل كلفة علاج هؤلاء الأطفال . وجاء في الكتاب أيضاً ، بأن مبارزة النفط بين روسيا والسعودية أسفرت عن هبوط سعر صرف الروبل ، مما جعل الدواء أكثر كلفة ، وساهم وباء فيروس الكورونا بمفاقمة الوضع ، حيث تجمد الإقتصاد الروسي بالكامل ، و"لم يعد بإمكاننا طلب المال من قرائنا أو من ممثلي الشركات الروسية . بعد أن وصلنا إلى حافة اليأس ، نلجأ إليكم " . 

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020