تركيا كرهينة للقضية الكردية

عائشة كربات

الأربعاء 08/05/2019
تركيا مشغولة للغاية بنفسها: قرار اللجنة العليا للانتخابات الاثنين الذي أمر بإعادة إطلاق السباق على منصب رئيس بلدية اسطنبول أدى إلى احتجاجات في الشوارع وأثار احتمال الاضطرابات السياسية والاقتصادية. وسط هذه الجلبة، لم يلاحظ الكثير من الناس أن حزب "الشعب الجمهوري" المعارض الرئيسي سأل الحكومة عما إذا كانت قد أبرمت صفقة مع روسيا للانسحاب من إدلب، مقابل ضوء أخضر لمهاجمة بعض المناطق في سوريا التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب الكردية، وهي امتداد لحزب العمال الكردستاني المصنف إرهابياً وفقاً لتركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
عندما أبرم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والزعيم الروسي فلاديمير بوتين اتفاقاً في سوتشي في 17 أيلول/سبتمبر 2018 لإقامة منطقة منزوعة السلاح في إدلب، كان الجميع يعلمون أنه حل ملطف لمشكلة كبيرة للغاية ولكن لا يزال الجميع ممتنين لهذه الصفقة حيث أن عدم وجودها يعني يوم قيامة متوسط الحجم حتى بالنسبة للشرق الأوسط الذي اعتاد على جميع أنواع القيامة الكبرى والصغرى.
الزعيمان اتفقا أيضاً على أن "الجماعات الإرهابية المتطرفة"، التي يمكن قراءتها باسم "هيئة تحرير الشام" وبعض الجماعات الأخرى المرتبطة بتنظيم "القاعدة"، ستتم إزالتها من هذه المنطقة المنزوعة السلاح. نقطة أخرى في الاتفاقية كانت مفترضة بحلول نهاية عام 2018، وهي استعادة الطرق المهمة للغاية للنظام السوري وهي الطريق إم4 من حلب إلى اللاذقية وإم5 من حلب إلى حماة.
أحد المفاهيم غير المعروفة وغير المكتوبة ولكن كانت من البداية معروفة جيداً لصفقة سوتشي، أن تركيا ستقنع أو تجبر "هيئة تحرير الشام" على الانضمام أو الاندماج في ما يسمى "المعارضة المعتدلة". لكن بالطبع، في سوريا، فإن الخطط الموضوعة في الاجتماعات لا تنفذ، وبالطبع لم تتغير هذه القاعدة الذهبية هذه المرة. بدلاً من ذوبان "هيئة تحرير الشام" في مجموعات أخرى، ذابت المجموعات الأخرى في الهيئة.
"تحرير الشام" غيرت موقفها أيضاً. حاول زعيمها الجولاني، مثله مثل أي شخص آخر، أن يلعب دوراً بارزاً وأن يكون العامل الحاسم الرئيسي في السياسة الخارجية التركية؛ ومع وحدات الحماية الكردية. وأشار إلى أن الهيئة مستعدة للقتال ضد الوحدات في الجانب الشرقي من الفرات حيث تريد تركيا بشدة أن تنشئ منطقة آمنة ولهذا الغرض تتفاوض باستمرار مع الولايات المتحدة.
في الآونة الأخيرة، زادت آمال تركيا في إنشاء مثل هذه المنطقة بفعل المفاوضات مع الولايات المتحدة، على الرغم من جميع المشاكل الأخرى بين البلدين، ولكن بعد ذلك بدأت روسيا في الضغط على تركيا من خلال تكثيف هجماتها على إدلب، مما اضطر المدنيين إلى الفرار نحو تركيا، التي لديها بالفعل العديد من المشاكل بسبب اللاجئين السوريين. كانت قضية اللاجئين موضوعاً أساسياً في الانتخابات المحلية، وبالتأكيد ستكون على جدول أعمال انتخابات اسطنبول المتجددة، خاصةً إذا زاد عددهم بطريقة غير خاضعة للرقابة.
ومع ذلك، يبدو أن الروس لا يريدون التخلي عن أصدقائهم الأتراك تماماً. بينما كانوا يحاولون فتح طريقي إم4 وإم5 للنظام في إدلب، سمحوا لتركيا بإجراء عملية عسكرية في تل رفعت التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب.
تل رفعت هي موقع مهم من الناحية الاستراتيجية في شمال غرب سوريا، وتقع بين منطقتي عفرين والباب، وكلتاهما تخضع لسيطرة الجيش السوري الحر بدعم من الجيش التركي. سعت تركيا إلى توسيع عملياتها في عفرين لتصل الى تل رفعت في عام 2018، لكن لم يسمح بذلك الروس، الذين لديهم وحدة من الشرطة العسكرية في المقاطعة. بعد مقتل جندي تركي وجرح ثلاثة في تل رفعت في 30 نيسان/أبريل أعطى الروس الضوء الأخضر لعملية محدودة النطاق.
هذه التطورات تجعل حزب "الشعب الجمهوري" يعتقد أن الحكومة التركية الحالية، التي يهمها في الحقيقة الكيان الكردي في سوريا، قد تفكر في الانسحاب من إدلب في مقابل منطقة آمنة في شرق الفرات. ومن المثير للاهتمام أنه عندما سئل وزير الخارجية التركي مولود جاوش أوغلو عن اللاجئين المحتملين من إدلب قال: إذا كانت المنطقة الآمنة ستُنشأ حينها يمكن لملايين اللاجئين العودة.
لكن حتى مع حل كهذا، على الرغم من افتقاره إلى الواقعية، وليس إنسانياً أيضاً، لن تُحل مشاكل إدلب.
دعنا نقول إن العملية العسكرية الحالية في إدلب محدودة وستتوقف في مرحلة ما ولكن النتيجة ستكون هي نفسها: الأسئلة الأساسية حول مستقبل إدلب ستبقى.
قد تكون إحدى الطرق لحل هذه المعادلة الرياضية المعقدة للغاية تغيير المقدمات الحالية. يمكن أن تكون القضية الكردية في تركيا نقطة انطلاق لهذا التغيير في المقدمات. لأن هذه القضية لا تأخذ فقط السياسة الخارجية التركية كرهينة ولكن المنطقة بأسرها.
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019