زيارة المحكمة الخاصّة بلبنان: رحلة إلى عالم آخر

حسان الزين

الأربعاء 21/02/2018
فيما هذا اللبنان هنا، على ضفّة البحر المتوسّط، بلدٌ صغير، صاخب، فوضوي، مكتظ، لاهث، ومقيّد بماضٍ ثقيل وحاضر متخبّط ومصير شبه مجهول، ثمة على الكرة الأرضيّة، بعيداً، هناك، في القرب من بحر الشمال، في مدينة لاهاي الهولندية، مبنى يُنسب إلى لبنان، خاص بلبنان.

مبنى لا يشبه لبنان واللبناني. مبنى نقيض بأحواله وحرارته ومزاجه ونظرته إلى نفسه و"حياته" ومستقبله. مبنى أشبه بآلة تعمل وفق قواعد وقوانين منصوصة، على عكس لبنان. مبنى لا يشبه سفارة لبنانية، ولا مهاجراً من أصل لبناني تطارده المذاهب لإعادة الجنسيّة اللبنانية المهجورة إليه من أجل توازن/ تغالب ديموغرافي، أو من أجل صوته الانتخابي. مبنى في بيئة نظيفة ومحيط طبيعي محترم كأنّه متروك لنظامه. مبنى مسيّج محروس بماكينة أمنية خفيّة، شبحيّة. مبنى مزنّر بقناة مياه نقيّة. ما يجعله جزيرة مربّعة واضحة الحدود تقيم مثل مركبة غريبة، هناك، في تلك البقعة الهادئة من الكرة الأرضية، تشبه كائناً محفليّاً عالميّاً أنيقاً معقّماً متأنّياً صامتاً واثقاً بتمثيله "القوانين الدوليّة الإنسانيّة" وبحقّه في إنزال العقوبة بـ"الأشرار" في لبنان. كأنّه "ضمير منفصل" للبنان، ويقدّم نفسه، ويعتبر نفسه، فعلاً لأجل لبنان. ولا يكترث برافضي انتسابه إلى الضمير وباتهامه بأنّه شيطان استعماري بهيئة قاضٍ يترصّد بلبنان لجعله مفعولاً به. لا يرد على ذلك، ولا تكشف ملامحٌ أو إيماءاتٌ مشاعرَه. ولعله يهزأ بذلك في سرّه.

ليست زيارة مواطن لبناني إلى هذا المبنى أمراً عاديّاً، أو مروراً عابراً، أو تلقّياً روتينيّاً لخبر وتحليل عن المحكمة الخاصّة بلبنان. فوصول اللبناني إلى رقعة الشطرنج تلك يجعله يشعر بأنّه انتقل إلى عالم آخر، إلى إحدى الزاويا الخاصّة بلبنان في كواليس العالم، إلى أحد مصادر الريموت كونترول المتجه إلى لبنان. وإذا كانت الهوية الحالية للمبنى، المحكمة الخاصّة بلبنان، تصنع هذا الشعور، أو تتسبب به، فإن ما يزيده، وما يقوده، ربّما، هو الهدوء والرتابة والبيروقراطية والتخصص الوظيفي والكلام الآلي المراقب ذاتيّاً ولا يخرج عن النص. فالمكان البارد الذي لا يُنسى أنّه محكمة، أقرب إلى معبد للنخبوية القانونيّة الدوليّة، التي تضع الناس والمواد في مصاف واحد، كلامي قيمي. وهو أقرب إلى مختبر لتعقيم المشاعر والانفعالات والكلمات. ولا علاقة لتاريخ المكان بذلك. هويته الحاليّة وبيروقراطيّته والإجراءات الطقوسيّة فيه أقوى من ذاكرة مرور النازية فيه إبان الحرب العالمية الثانية. وأقوى، طبعاً، من إقامة الاستخبارات الهولندية فيه. وإن كان للمآلات هذه رسائل متعمّدة أو غير متعمّدة بأنّ العدل يحل ها هنا فوق ركام النازية. ولا تقدّم أو تؤخر معلومة أنَّ قاعة المحكمة كانت صالة لرياضة كرة السلّة.

ريموتيّة المكان وهويّته مطبخاً يُعد فيه مصير لبنان، هما مفتاح شعور اللبناني، أثناء الزيارة، وهما قفله أيضاً. يسكن ذلك، بوعي أو لا إدراك، الزائر عموماً، سواء أكان ممن يلجون المكان كأنه معبد ديانتهم ويد إمبراطورهم أم من القلقين على لبنان وربما من المحكمة. وسكون المكان وانضباطه والكلام المفلتر، الموحى به، الذي يدّعي الانتساب إلى الحق والحقيقة والحرص عليهما وعلى لبنان، ومعهما الدعوة إلى انتظار ما (سوف) يصدر عن المحكمة، والدعوة إلى تصديق أنّه حيادي وموضوعي وعلمي، أمور ترفع المكان ذاك إلى مصاف عالٍ، رفيع، مثالي، قدري، علمي، حقوقي. لكأنّ تلك الأمور ما يجعله ينتمي إلى عالم آخر، أو لكأنّها الفضاء الذي يفصله عن لبنان والعالم.

ثم، بعد الريموتيّة والمطبخيّة، تأتي العبادة. فطقوسها التي يمارسها العاملون في المكان، بمن في ذلك رئيسة المحكمة والمدعي العام ورئيس فريق الدفاع ورئيس القلم وغيرهم، مبنية على الريموتيّة والمطبخيّة. هما أساس العبادة. والعبادة هي أن يتمتم هؤلاء بالصمت، وأن يصلّوا للحقيقة، وأن ينسبوا المحكمة وما يصدر عنها إلى عالم المثل، حيث المكان، وأن يؤكدوا في كل ثانية، وعند كل سؤال، أنّهم ملتزمون بالقواعد ولا ينطقون إلا بما صدر وحان موعد صدوره، وأنّهم لا يخفون شيئاً إنّما هم لا يعرفون أكثر، أو غير ما تقتضيه وظيفة كل منهم. فالأسرار في مكان محفوظ، مجهول، في ركن ما في هرم المحكمة. هكذا، يتهذّب الغرور خلف الوظيفة والقواعد والمسموح واللامسموح. وكل ذلك ليس غروراً أو بغاية الغموض أو للعب دور الشخص المهم، إنّما هو من عدّة الإيحاء بأن المحكمة في مكان مثالي وتعمل وفق نظام قضائي مستقل دقيق مضبوط بلا تدخل خارجي أو إملاء. فالمحكمة في مقام منزّه، كما هو المكان، مكانها، هي، خارج عالمنا.

هكذا يتغذّى مشهد انقسام اللبنانيين بين مؤمنين بالمحكمة وكفرة بها، بين دعاة لدورها وحمايتها- نعم- ورافضين له. وبينهم يترنّح القلقون المنتظرون. وهكذا أيضاً، لا ترى الصحافيين اللاهثين وراء خبر سبق مشاكسين في المحكمة، إنما تراهم متحمّسين مشجعين أو مشككين. والأهم أن غالبيّتهم لا تستسلم للوجبات المعلوماتية التي يقدّمها القضاة والموظفون، مع الدعوات إلى انتظار ما سيصدر في وقته المناسب، فحسب، إنما تراهم منقسمين مسبقاً بين تلك الفئات. وكلّهم لا يأخذ شيئاً جديداً، والنشيط منهم لا يحصل على شيء أكثر من الساكن المتفرّج. وهكذا أيضاً وأيضاً تراهم يستعيدون سريعاً مواقفهم.

وسط هذا، لا يقين إذا ما وصل السؤال عن موت المحكمة (الذي نسمعه في لبنان) إلى هذا المبنى البارد المعقّم الممسوك المسيّج المنفصل. وتلك الابتسامة التي تدّعي نفي السؤال بصمت لا تكفي للجواب. مثلما لا يكفي استمرار المحكمة في عقد جلساتها في قضية سليم عياش وآخرين للقول إنها ما زالت حيّة. ومواظبةُ الموظفين، بمن في ذلك القضاة، على التردد على مكاتبهم والقيام بواجباتهم، لا تعني أن المحكمة حية، بل إنها تعمل، بل إنها تواصل وظائف بُنيت لأجلها وقد باشرتها وبُرمِجت لتنفيذها. فكأن عبارة موت المحكمة لا تعني توقفها عن العمل، في ذاك المبنى، إنما هي عبارة سياسية، مثلما كانت الاتهامات باغتيال الرئيس رفيق الحريري اتهامات سياسية. عبارة موت المحكمة، سواء أكانت بصيغة السؤال أم الجواب، عبارة لبنانية، وتتردد في لبنان. ولا ندري إذا كان ذاك المبنى يسمعها، أو معنيّاً بها. هو يبتسم تلك الابتسامة الصامتة، ولا ندري إذا كانت نُذراً أو مجرّد إيماءة تجريدية أو مفردة في قاموس بلا شروح وتفاسير.

فالمحكمة، المبنى، الآلة التي تعمل ولن تتوقف إلا حين تُنجز مهمّتها، تُصدر ادعاءات، تُعلن بيانات، تبث جلسات بفارق متأخر 30 دقيقة، وهي تبتسم بصمت، ولا ندري إذا ما كانت تسمع ما يُقال في لبنان، مثلما لا ندري كيف وصلت إليها "نصيحة" أن تقول إنها لا تتهم حزب الله في اغتيال الحريري إنما تتهم أعضاء فيه. لكأنها تسمع ما تريد وتتجاهل ما تريد. وهي إذ تقول ذلك تُناقض نفسها. فكيف توجّه إلى أشخاص اتهامات وتعرّف عنهم بأنهم أعضاء في حزب الله وتدعي أنها لا تتهم حزب الله؟ لماذا، إذاً، تذكر أنّهم أعضاء في حزب الله؟ أليس هذا حكماً قبل الحكم؟ أليس هو إشارة سلبية وتحايل في الكلام؟ أليس هو اتهام يدعي عدم الاتهام؟

ولا يُعفيها من ذلك القولُ إنها لجأت إلى ذلك لتلافي ارتدادات اتهام حزب الله. فهذا، الذي يُبَرر لبيان سياسي أن يفعله ولا يجوز لمحكمة أن تقع فيه، يعني أنها "مسيسة"، وأنها تسمع من خارجها، سواء أكان من لبنان أم من غيره. وهو يعني أنّ المحكمة تصوغ عباراتها بما يتلاءم مع الواقع والحسابات لا بما يعبّر عن "الحقيقة". وذلك يفتح الباب لقول قائلين، لاسيما الخصوم، إن من أصدر الادعاءات، أو الأحكام لاحقاً، هم قضاة أعضاء في المحكمة. وهذا ليس لعباً في الكلام فحسب، وهو ليس تشكيكاً بالمحكمة أو اتهاماً سياسياً فحسب، إنّما هو طعنٌ بالحكم وصاحبه وبشرعيتهما. وهو مما يجرّد المحكمة أكثر ويجعل زيارة مبناها رحلة إلى عالم آخر.
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2021