لبنان في قلب "المتغيرات": شدّوا الأحزمة!

إيلي القصيفي

السبت 18/02/2017

بسرعة، تأثّر لبنان بالمتغيرات الدولية والإقليمية التي أعقبت دخول الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب البيت الأبيض في 20 كانون الثاني الماضي. بات من الصعب جداً، بل من المستحيل، عزل التطورات السياسية في الداخل اللبناني عن المتغيرات في الساحتين الدولية و/أو الإقليمية. حتى أنّه لم يعد في الإمكان فصل مباحثات قانون الانتخاب- التي تشرّح الجغرافيا الديموغرافية وصولاً إلى أبعد قرية ودسكرة في البلد الصغير- عن هذه المتغيرات في العالم من أقصاه إلى أقصاه.

كلمة السيد حسن نصرالله عصر الخميس دليل واضح على المشهد الجديد الذي بدأت ملامحه ترتسم في المنطقة ومن ضمنها لبنان. والمفارقة أنّ هذه الكلمة التي لم يتطرق فيها نصرالله بشكل أساسي إلى تفاصيل السياسة اللبنانية كانت أكثر خطاباته في الآونة الأخيرة إشارةً إلى "الإطار العام" للحركة السياسية في لبنان بالمرحلة المقبلة، ولاسيما بالنسبة إلى المفاوضات بشأن القانون الانتخابي واستطراداً خريطة التحالفات السياسية بمتغيراتها و"ثوابتها". علماً أنّ إشادة نصرالله بمواقف رئيس الجمهورية ميشال عون الأخيرة من سلاح الحزب وإن وردت في سياق تعداد "عناصر قوة لبنان" في مواجهة العدو الإسرائيلي، إلا أنّها تحمل دلالات تتجاوز هذا التعداد. فهذه الإشادة التي سبقتها أخرى مماثلة من كتلة الوفاء للمقاومة تؤكدّ أولاً، الإنقسام السياسي في لبنان حول سلاح "المقاومة" وعدم خشية الحزب من هذا الانقسام. وتؤكد ثانياً، وهذا الأهم، أنّ الحزب، في هذه اللحظة الحرجة، بأمسّ الحاجة إلى دعم رئيس الجمهورية بصفته الرسمية، بغض النظر عمّا يمكن أن يترتب عن هذا الدعم من تداعيات على العلاقات الخارجية للدولة اللبنانية، فضلاً عن علاقة رئيس الجمهورية بأفرقاء الداخل. وليس بلا دلالة في هذا السياق عودة الدفء إلى علاقة الرئيس سعد الحريري بالدكتور سمير جعجع، وقد دخلا يداً بيد إلى البيال الأربعاء للمشاركة في ذكرى الرئيس رفيق الحريري، بعدما كانت الذكرى نفسها في العام الماضي قد شهدت توتراً غير مسبوق في العلاقة بينهما!

اللحظة الراهنة بكل متغيراتها تستدعي بالنسبة إلى حزب الله كل أسباب اليقظة والاستعداد لما قد يطرأ مستقبلاً من تطورات في الإقليم وعلى الصعيد العالمي. هذا الأمر يستدعي أولاً توفير شبكة أمان سياسية وأمنية للحزب في الداخل اللبناني. إذ كلما ازداد المشهد الإقليمي و/أو الدولي ضبابية أو التباساً، تطلع الحزب إلى مزيد من الطمأنينة والوضوح السياسي والأمني في الداخل اللبناني. بالتالي، لن يتساهل الحزب مع كل ما من شأنه تعكير هذا الوضوح وتلك الطمأنينة المأمولين. توجّه الحزب هذا ينطبق على مقاربته لمفاوضات القانون الانتخابي، إذ سيسعى إلى تحقيق قانون انتخابي يفرز برلماناً يطمئن إليه. وسينعكس التوجه إياه حرصاً من جانب الحزب على تحالفاته السياسية في الداخل اللبناني، ولاسيما داخل البيئة الشيعية ومع التيار الوطني الحر والرئيس عون.

والحال هذه سيحاول الحزب التحرك بين حدّين؛ الحد الأول هو الحفاظ على تماسك الحد الأدنى للتسوية السياسية التي أنتجت حتى الآن انتخابات رئاسية وحكومة لم تقلق الحزب، وستنتج لاحقاً، على الأرجح، قانوناً انتخابياً فانتخابات لا تقلقه أيضاً. أمّا الحد الثاني فهو تأمين، وبما لا يؤدي إلى انفراط عقد هذه التسوية وبالتالي العودة إلى حال اللااستقرار السياسي في البلد، برلمان ثمّ حكومة لا يطعنان "المقاومة في ظهرها". هذا في حال لم  تبلغ المواجهة الأميركية- الإيرانية حداً تنقلب معه الأوضاع في لبنان رأساً على عقب، طالما أنّ لبنان لن يكون بمنأى عن احتمالات مواجهة كهذه بل هو في صلب هذه الاحتمالات. وكلام نصرالله الخميس مؤشر إضافي على ذلك.

لذلك، سيتطلب الوضع اللبناني في المرجلة المقبلة مزيداً من المتابعة والرصد بعدما كانت الأنظار في الفترة الماضية موجّهة صوب أحداث المنطقة المتسارعة والشديدة العنف والدموية. عودة الاحتقان بين واشنطن وطهران تجعل الإهتمام بالوضع اللبناني أمراً لا بدّ منه. وقد يكون اللبنانيون المنشغلون هذه الأيام بالموازنة وضرائبها فضلاً عن تفاصيل القوانين الانتخابية الكثيرة والمتضاربة و"المعقدة"، أقّل الموقنين لهذه الحقيقة، خصوصاً أنّ السيد نصرالله الذي تلقى خطاباته آذاناً صاغية على مجمل المساحة اللبنانية دعاهم الخميس إلى أن يرتاحوا. لكنّ المؤشّرات "المحلّية" الدّالة على أنّ أمراً ما يتغيّر في لبنان والعالم ليست قليلة، أبرزها تحذير الخارجية الأميركية الرعايا الأميركيين من السفر إلى لبنان والذي اتّسم هذه المرّة بلهجة "متشددة" قياساً إلى التحذيرات السابقة. وكان قد سبق هذا التحذير اعتراض من الأمم المتحدة على مواقف عون الأخيرة من سلاح الحزب. وهو ما استدعى "توبيخ" الخارجية اللبنانية الممثّلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة.. وهذا قد يكون غيضاً من فيض ما ينتظر لبنان في الآتي من الأيام! شدّوا الأحزمة.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020