حزب الله.. يحفظ رباطة جأش الامبراطورية الإيرانية

نادر فوز

الإثنين 13/01/2020
كشف مقتل سليماني، وما تبعه ورافقه من أحداث، هشاشة إدارة الامبراطورية الإسلامية الإيرانية. أسلوب تصفيته بحدّ ذاته ضربة، في الشكل. إذ يكفي القول إنّ الكومبيوتر اغتال سليماني. طبعت أيدي جنود بضع كلمات وإحداثيات، وحرّكت أخرى عصا تحكّم وتم الأمر ببساطة، بكبسة زر. فانتهت أسطورة رجل احترف كبس الأزرار لقمع الشعوب وتحريك العصي لإطفاء ثوراتهم بلغة الدم. 

الرد الأخرق
وتبع الاغتيال سلسلة من الفضائح الأخرى: الرد الإيراني الذي لم يصب إلا طائرة مدنية في سماء طهران، في فضيحة ثانية لا تزال الامبراطورية تحاول التملّص منها. وفي مشهد آخر، كانت مأساة التدافع في كرمان التي ترتقي إلى مستوى الفضيحة الوطنية أيضاً. ولن نذكر من الردّ الإيراني إلا أنه حصد أرواح 176 راكباً على متن الطائرة الأوكرانية في الرحلة رقم 752 من طهران إلى كييف.

وللمناسبة هؤلاء الضحايا ليسوا أرقاماً فقط، ويمكن الاطلاع على التفاصيل الكاملة لهويات أغلبهم وصورهم والمعلومات الشخصية عنهم في ملف خاص أعدّته صحيفة "ذا غلوب أند مايل" الكندية. هؤلاء ضحايا قتل مباشر، بقصد أو بغير قصد، بخطأ بشري أو نتيجة سوء تقدير، وكل ذلك لا يغيّر شيئاً في الحقيقة والواقع. 

احتجاجات ضد المرشد
وفي صلب ذلك كله، عادت الاحتجاجات إلى شوارع طهران بسقف شعارات مرتفع جداً. طالب المحتجّون باستقالة المرشد الأعلى وقائد القوات المسلحة الإيرانية علي الخامنئي، وندّدوا بالحرس الثوري ووصفوه بـ"داعش إيران". تؤشر كل هذه المشاهد المتلاحقة إلى أنّ الامبراطورية تسير في حقل ألغام، داخلي وخارجي. وفي كل ما يحصل في الملف الإيراني، مناسبة فعلية للتذكير بأنّ هذه الامبراطورية بنت كل مجدها بفعل عمل أدواتها وأذرعها وحلفائها والأطراف الناشطة باسمها في المنطقة.
بين الدمار في اليمن والخراب في العراق وصولاً إلى المجازر في سوريا، ولبنان البلد الساقط بالكامل بيد حزب الله، خيطت سمعة إيران وامبراطوريتها. وكل هذا القتل والتهجير لتحصين ملف نووي. هكذا تعمل الامبراطوريات، ولو كانت العناوين السياسية ضخمة كهزيمة الاستكبار والإمبريالية.

لبنان حاضن الامبراطورية
بنت الامبراطورية مجدها على شعار محاربة الظلم وتحوّلت إلى أبشع أشكال الظلم والإجرام. سوريا والعراق واليمن تشهد على ذلك. وبين الحروب المستمرة في المنطقة، يبقى لبنان الحاضنة الفعلية للامبراطورية. هنا المكان الآمن لها، وساحتها الخلفية. وهذا عمل حزب الله الجبّار، الذي بات التنظيم - المثال لكل محور حلفاء إيران وأدواتها.
حزب الله القادر على احتلال لبنان بغضون أيام، بحسب ما يشيع أنصاره، هزم إسرائيل وجمّد جبروتها الحربي بحراً وبراً. وحسم الحرب في سوريا وأرسل خبراءه إلى العراق واليمن وبلاد أخرى بعيدة.

هو صانع الانتصار الفعلي في محور إيران، ولا أحد غيره. هو المنظومة المتكاملة، عسكرياً وأمنياً واقتصادياً ومؤسساتياً، والتي يراد تعميمها في البلدان التي حلّ فيها الخراب. ومن يريد امتهان إدارة البلدان المأزومة في محاورها وأنظمتها وتوظيفها إقليمياً، ليتعلّم من حزب الله. هو الطرف الذي يسند إيران اليوم، لا العكس. الامبراطورية في خطر، فجاءها السند الفعلي بلا تردّد ولا تأخير.

وللمناسبة أيضاً، ليس مستغرباً أبداً ما قالته ابنة سلماني، زينب، بعد ساعات على اغتياله من أنها على ثقة "بأنّ سيد المقاومة السيد حسن نصر الله سيثأر لدم والدي". وجّهت الشابة المكسورة سلاماً "إلى سماحة الامام الخامنئي" وطلبت من نصر الله الثأر. وهذا كلام بليغ في ما يعبّر عنه، خصوصاً أنه نابع من فم مفجوع يحكي بتلقائية وعفوية عن مكنوناته. الانتصار يصنعه نصر الله، والثأر كذلك، وكل ما عدا ذلك من ردود كرتونية وحروب كلامية لا أكثر. حتى إشارة يدي نصر الله "عامودي - أفقي"، في معرض حديثه عن كون الجنود الأميركيين دخلوا المنطقة عامودياً وسيخرجون أفقياً محملين في نعوشهم، تحوّلت إلى شعار داخل إيران نفسها وجمهور حرسها الثوري.

الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، هو من لا يزال يحافظ على رباطة جأش الامبراطورية. قد يعتبر البعض هذا القول هذياناً، لكون القرار في إيران وكذلك المال والسلاح والعتاد والاستراتيجيا والمرجعية الدينية وغيرها. لكن الواقع يشير تماماً إلى عكس ذلك. حزب الله هو عصب الامبراطورية، ولولاها لعادت إيران إلى حدودها ونظام ثورتها الإسلامية. لانحصرت بلغتها الفارسية التي فرضتها على كل المنطقة بعد احتلالها قبل ألفين وخمس مئة عام.

باختصار، هذا الحزب قائم بامبراطورية وبأعمالها، ولو ظهرت في صورة هشة.
فما بالنا نحن، المدنيون الأفراد الصغار في لبنان وسوريا والعراق واليمن وسائر ضحايا صراع الامبراطوريات على أراضينا؟ نبحث عن استقرار يومياتنا فيلهونا بإسقاط الإمبريالية، نركض وراء لقمة عيشنا فينغصّون علينا حريتنا، ونسعى إلى نظام عادل فيقتلونا. نحن، شعوب هذه الامبراطورية، حالنا واحد.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020