باسيل يستدرج الحريري إلى سوريا.. لا مجال للانتظار

منير الربيع

الثلاثاء 15/10/2019

لم تعد حقيقة السياسة في لبنان تُبنى أو تُقرأ من المواقف المعلنة. الانحدار الكبير الذي تعانيه ربما من انحدار أحوال رجالاتها. إذ غالباً ما بات الخطاب السياسي يهدف إلى الاختباء وراء الأصابع، أو تحشيد التأييد والمناصرة وتعبئة الرأي العام، من دون أي اقتران بالفعل والقدرة والالتزام العملي بهذا الخطاب. هكذا، يصبح الكلام السياسي باهتاً يكتفي بدغدغة مشاعر الجمهور، بل وتعميته عن الحقائق.

ثلاث محطات
صحيح أن السياسة فن منازعة وشد وجذب ومناورات. لكن اتقان هذا الفن في لبنان حالياً يتسم بأسلوبين. أسلوب يجيد هذه اللعبة ويتقنها، فيحقق ما يريده بالمرونة أو التصلب أو المهادنة أو المواجهة. وأسلوب آخر لا يمتلك غير مبدئية لغوية وتعبيرية باتت مغتربة عن الواقع وليس لها أي قدرة تأثيرية.

وبمعنى أوضح، يلجأ الطرف الأول الممثل بالوزير جبران باسيل إلى إعلان جملة مواقف في ثلاث محطات أساسية، تغيّر المسار والوجهة السياسية في البلاد برمتها. بينما يقابله الطرف الثاني، أي الرئيس سعد الحريري، ببيانات أو مواقف متنوعة لا ترقى إلى مستوى الحدث. جلّ ما في غايتها هو التوجه إلى بيئته الشعبية والانتخابية لفصلها عن الواقع. مع أن الحريرية اليوم تتسم بـ"واقعية" شديدة.

بدأ باسيل مساره في جلسة مجلس الوزراء للدفع باتجاه التطبيع مع النظام السوري. وكشف أنه اتفق مع الحريري على ذلك. هنا طلب الحريري عدم التداول بهذا الأمر أمام الإعلام، وتأجيله، بانتظار بلورة مآل الموقف العربي، الذي قد ينفتح على دمشق. وعندها يأتي الانفتاح اللبناني من دون صعوبة.

لكن باسيل يريد للبنان أن يكون هو "الطليعة" وفاتح هذه المرحلة من تطبيع العلاقات وإعادة النظام السوري إلى الجامعة العربية. وقد استكمل ذلك بمداخلته في اجتماع الجامعة والدعوة إلى إعادة مقعد سوريا، وصولاً إلى خطابه في ذكرى 13 تشرين الأول، الذي أعلن فيه الانقلاب الكامل على التسوية التي جاء بها ميشال عون رئيساً للجمهورية، كما الانقلاب على اتفاق الطائف. واتخذ صفة صاحب القرار الأوحد، بموجب تفاهمات وتحالفات سياسية مع محور ينتصر في المنطقة. يمكن بالاستناد إليه "استعادة الصلاحيات" وتعزيزها، وصولاً إلى إعلانه عن نيته الذهاب إلى سوريا، والجهوزية "لقلب الطاولة" على الجميع.

القرار اللبناني وردّ الحريري  
إذاً، أمسك باسيل بعد لقاء لساعات طويلة مع أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله، زمام القرار اللبناني، بلا أي مواجهة من أي طرف. ردّ الحريري بداية على كلام باسيل في الجامعة العربية رداً خجولاً. لم يُفهم منه حق من باطل. هو أولاً رفض بشكل ما خطاب باسيل حول مساعي لبنان لإعادة سوريا إلى الجامعة العربية، وتمسك بمبدأ "النأي بالنفس"، بينما النقطة الثالثة في البيان جاءت لصالح باسيل كلياً، حين اعتبر أن موقف لبنان من تدخل تركيا في سوريا يعبر عنه بيان وزارة الخارجية، ما يعني إدانة الحكومة للتدخل التركي. لم يكتف باسيل بذلك. واصل هجومه يوم الأحد، مطيحاً بـ"النأي بالنفس"، ومعلناً الاستعداد للذهاب إلى سوريا.

هنا ردّ الحريري أيضاً بطريقة أقل ما يُقال فيها أنها ذرّ للرماد في عيون الجمهور، الذي تحمّس لعبارة أن دم رفيق الحريري هو الذي أخرج الجيش السوري من لبنان، وليس باسيل هو الذي أخرجه. طبعاً، هذه مسألة مسلّم بها. لكن إشارة الحريري إليها لا تهدف إلا للاستهلاك الشعبي وليس للفاعلية السياسية، لأن تتمة البيان توحي بمنح باسيل كل ما يريده، عبر القول أن ذهاب باسيل إلى سوريا هذا شأنه، و"المهم النتيجة". هذا يعني أن الحريري سلّم لباسيل بما يريد، الذي كان قد استبق نظرياً أي قرار للحكومة مجتمعة حول هذه الخطوة، بينما عملياً كان متفاهماً مع الحريري عليها، وثمة تبادل للأدوار بخصوصها. ومن ضرورات الاختباء خلف الأصابع، أردف بيان الحريري أنه من المهم أن لا يستغل النظام السوري هذه الزيارة للعودة إلى لبنان. مردفاً أيضاً أن لا ثقة بنيّة النظام لإعادة اللاجئين. ولكن إذا ما تحققت نتائج إيجابية فسيكون أول المرحبين.

يعلم الحريري كما باسيل أن أهمية الزيارة السياسية هي بمجرد حصولها. كما يعلم الجميع أن لا عودة للاجئين حالياً. وبالتالي، برر الحريري لباسيل ما يريده ومنحه الغطاء بذرائع واهية.

يعود الحريري إلى اعتزال السياسة في بيانه، معتبراً أن البلد لا يحتاج إلى سجالات جديدة، لأن الهم الأساسي هو لوقف الأزمة الاقتصادية. ولكنه حتى في الاقتصاد لا يُترك له شيء للتصرف. والردّ حول كلام باسيل بقلب الطاولة، أتى باهتاً من سوية أن الطاولة ستنقلب على الجميع، من دون معرفة أي طاولة، وإذا ما كان هناك طاولة أصلاً. فكل الطاولات أصبحت في بعبدا.

زيارة سوريا والمصالح
سعد الحريري اليوم في ورطة، إن بعلاقاته الخارجية وتحولات المواقف الإقليمية والدولية، أو أمام جمهوره. وورطته المستمرة غياب أي بديل لديه سواء في التحالفات أو في الخيارات السياسية التي استسلم أمامها. يريد أن يكون واقعياً، فيرى أن العرب سيذهبون إلى سوريا، عاجلاً أم آجلاً. ويريد أن يتصرف بمعزل عن الحسابات الشخصية. وطبعاً في السياسة تغيب الحسابات الشخصية إزاء المصالح. وقد تكون لزيارة سوريا بعض المكتسبات له ولحكومته. ولكنها لن تكون في سجّله إنما في سجل باسيل. وهو لا يريد أن يقف في واجهة التطبيع. لذلك يترك لباسيل أن يتحرك. منحه الغطاء في اجتماع خاص وعلى طاولة مجلس الوزراء، وفي بيان إدانة التدخل التركي، وصولاً إلى بيان مكتبه الإعلامي. وكأنه يتخلى عن كل شيء، فقط في سبيل البقاء على رأس الحكومة.

يمثل الحريري الحلقة الضعيفة، فلا يكتشف قوته أو مكانته وموقعه إلا من خلال السير في ركب عون وباسيل، بينما الأمكنة الأخرى بالنسبة إليه غير مضمونة أو خاسرة.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019