على الضد من المناخات العنصرية: انطلاق الحوار اللبناني الفلسطيني

أحمد الحاج علي

الخميس 13/06/2019

على الرغم من الأجواء التحريضية، العنصرية، التي يشيعها بعض السياسيين اللبنانيين، والتي استدعت قبل أيام صدور بيان من "لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني" (راجع النص في نهاية المقالة).. ينطلق اليوم الخميس 13 حزيران الحوار اللبناني الفلسطيني، بعد جلسة تمهيدية انعقدت في الأسبوع الأخير من الشهر الماضي. ويقول أحد المشاركين عن الجانب الفلسطيني في جلسات الحوار إنه للمرة الأولى تنطلق مثل هكذا حوارات بين الجانبين منذ عام 1992، وسط أجواء تفهم كبيرة، كان التمهيد لها قبل عامين بإطلاق "رؤية لبنانية موحدة لقضايا اللجوء الفلسطيني في لبنان"، أي أن الحوار لا ينبعث من فراغ. رغم ذلك فإن القيادي الفلسطيني يبدي ملاحظات حول مشروع قانون لإدارة مخيم نهر البارد وسائر المخيمات، تقدّمت به لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني إلى مجلس النواب اللبناني.

ضد صفقة القرن
منذ عام 1987، تاريخ إلغاء اتفاق القاهرة، الموقّع بين منظمة التحرير الفلسطينية ولبنان، لم تخطُ الحكومات اللبنانية المتعاقبة خطوات جديّة نحو تنظيم العلاقة مع الوجود الفلسطيني في لبنان، حتى خروج الجيش السوري من لبنان عام 2005. لتنطلق في العام نفسه، لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني التي ألّفتها الحكومة اللبنانية بهدف "معالجة المسائل الحياتية والاجتماعية والاقتصادية والقانونية والأمنية داخل المخيمات، وللفلسطينيين المقيمين في لبنان، بالتعاون مع أونروا". وكذلك من المهام المناط بها "وضع آلية لإنهاء وجود السلاح الفلسطيني خارج المخيمات".

يُعبّر القيادي الفلسطيني المشارك بالحوار عن أهمية إطلاقه بهذا الوقت بالذات "الذي تكشف فيه الولايات المتحدة عن محاولتها إلغاء أونروا، وتنفيذ صفقة القرن التي تهدف إلى إلغاء معظم حقوق الفلسطينيين، وأولها حق العودة". ويتابع القيادي الفلسطيني أن مواجهة ذلك لا يمكن إلا بالإجماع اللبناني الفلسطيني على رفض ذلك، ومحاولة تنظيم العلاقة "بما يحفظ سيادة الدولة وكرامة الفلسطينيين".. من دون أن يخفي تخوّفه من "أن يكون الوضع الاقتصادي اللبناني مدخلاً لابتزاز الحكومة اللبنانية في الموضوع الفلسطيني".

نقد اللجنة 
ينتقد القيادي الفلسطيني مشروع القانون المقدّم لإدارة المخيمات من حيث إنه "تصوّر من طرف واحد، ولم يؤخذ رأي الجانب الفلسطيني". الملاحظة الثانية التي يوردها أن المشروع لا يتطرق لكل الجوانب السياسية، حيث يتجاهل وجود الفصائل الفلسطينية، وكيفية التعامل معها، ومدى شراكتها في إدارتها للمخيمات، ولا ذكر للمرجعية السياسية للفلسطينيين في اقتراح المشروع المقدم". ويلفت القيادي الفلسطيني إلى أن العديد من الفصائل الفلسطينية قدّمت ملاحظات جوهرية للجنة الحوار اللبناني الفلسطيني "ولعلّ الاستدراك الأخير للجنة الحوار في بيانها الأخير، والإتيان على ذكر اللجنة الشعبية، كان استجابة لإحدى هذه الملاحظات".

وعمّا إذا كان اقتراح مشروع القانون المقدّم للمجلس النيابي جاء انسجاماً مع الاتفاق حول مخيم المية ومية، يرد القيادي الفلسطيني المشارك في الحوار الذي يجري اليوم أن "العديد من القيادات السياسية والمراجع الأمنية اللبنانية التي تحدّثنا معهم، أكدوا أن ما جرى في مخيم المية ومية هو استثناء أملاه موقع المخيم الجغرافي، وعوامل ديمغرافية محيطة، وضرورات أمنية مختلفة، ولا ينسحب في الوقت الحاضر على غيره من المخيمات الفلسطينية".

يمكن إبداء الكثير الملاحظات حول لجنة الحوار، خصوصاً في السنوات التي تلت تشكيلها مباشرة، حين بدت شبيهة بأية مؤسسة بيروقراطية، لا هدف لها سوى تأمين مصالح منتسبيها. وزاد في ضعفها العام، الصراعات السياسية على الجانبين؛ اللبناني والفلسطيني، وحساسية موضوع اللاجئين الفلسطينيين، وما يمكن أن يضر بقوى لبنانية تعتاش سياسياً على التخويف الدائم من التوطين. وضاعف من هذه الحساسية أن الملف ليس محلياً تماماً، بل تتداخل فيه العوامل الداخلية بالإقليمية والدولية.

مرجعية حقوق الإنسان
كل من تسلّم رئاسة لجنة الحوار وضع نصب عينيه الاتفاق اللبناني الفلسطيني عام 1992، والذي مثل فيه الجانب اللبناني الوزيران عبد الله الأمين وشوقي فاخوري، وكان على الجانب الفلسطيني صلاح صلاح وفضل شرورو. ورغم أن الاتفاق كان سريعاً وشاملاً، إلا أن العوامل الإقليمية استطاعت تعطيله. لكن منذ عام 2012، كانت الجرأة أكبر، من قِبل لجنة الحوار، في تناول الملف الفلسطيني في لبنان. ومع تسلّم الوزير حسن منيمنة رئاسة اللجنة عام 2014، اكتسبت الحوارات طابعاً أكثر جدية، ودخلت في تفاصيل وتعقيدات، استطاعت حلّ أغلبها.

فلم يكن متوقعاً أن تصل الكتل النيابية الست الرئيسية، الممثلة لأبرز الأحزاب اللبنانية، إلى رؤية موحدة تجاه الوجود الفلسطيني في لبنان. فأن تقر مثلاً كتلة الإصلاح والتغيير أن التوطين يعني التجنيس حصراً ليس أمراً هيّناً، بعدما كانت ترى في إعادة بناء مخيم نهر البارد توطيناً. وكان لافتاً، في الرؤية، الخروج من النظرة الأمنية الأحادية، واعتبار حقوق الإنسان هي المرجع في التعامل. والنص على تمتع الفلسطينيين بحقوقهم الاجتماعية، وحرية تشكيلهم الجمعيات، وغير ذلك من الحقوق، كان أمراً فريداً، لأول مرة يحدث منذ خمسين عاماً.

ورغم أهمية التأكيد على هذه المبادئ النظرية، إلاّ أن الانتقال إلى الجانب العملي، يحتاج إلى إرادة لبنانية وفلسطينية، لا تغفل أهمية العامل الإقليمي والدولي. ففي الجانب اللبناني هناك من ما زال يجاهر بضرورة تهجير الفلسطينيين، ويعمل على ذلك سراً. وفي الجانب الفلسطيني أيضاً هناك قوى لا تحظى بقبول شعبي، لكنها تستفيد سياسياً من الوضع القائم. وقبل ذلك، توجد قوى خارجية تستطيع التعطيل. ويقول القيادي الفلسطيني لـ"المدن" "إن القوى المجتمعة (اليوم) تعي كل تلك العوامل، وهذا ما يُضاعف أهمية اجتماعها، والوصول إلى اتفاق شامل بأسرع وقت". فهل يتكرر ما جرى عام 2010 حين أُقرّ مشروع الضمان الاجتماعي للفلسطينيين لكنه أفرغ من مضمونه، ولم يأخذ طريقه إلى التنفيذ، أم أن اختلاف الظروف قد يقود إلى نتائج مختلفة؟

بيان لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني: إدارة مخيّم نهر البارد نموذجاً سيادياً
تطالعنا العديد من وسائل الاعلام  بمقاربات وتحليلات حول مشروع القانون الذي اقترحته لجنة الحوار اللبناني – الفلسطيني لتنظيم إدارة مخيّم نهر البارد، لتربطه مع بعض التوجهات الدولية نحو التوطين، في سياق ما اصطُلح على تسميته بـ"صفقة القرن"، وفي هذا الربط شُبهات حاول واضِعوها إثارة مسألةٍ كيانية أجمع عليها اللبنانيّون والفلسطينيّون معاً عنينا بها "رفض التوطين"،

لذا يهُم لجنة الحوار اللبناني – الفلسطيني توضيح النقاط التالية:

1- إن إدارة مخيّمات اللاجئين الفلسطينيين هو بند ورد في وثيقة "رؤية لبنانية موحّدة تجاه قضايا اللجوء الفلسطيني في لبنان"، والتي وقّعت عليها كلّ الأحزاب اللبنانية ذات التمثيل في المجلس النيابي، ولطالما كان اللبنانيّون والفلسطينيّون معاً يشكون من غياب إدارة رسمية سليمة لواقِع هذه المخيّمات والمقيمين فيها وأمانهم و أمان محيطها كما يبسط سيادة الدولة عليها.

2- إنَّ بسط سيادة الدولة اللبنانية على كافة أراضيها بما فيها مخيّمات اللاجئين الفلسطينيين هو بمثابة ترجمة أمينة مؤسِّسة لقيام الدولة القوية والقادرة والعادلة في لبنان، واقتراح مشروع قانون إدارة مخيّم نهر البارد يندرج في هذا السياق.

3- منذ آب 2007 بدأت لجنة الحوار اللبناني – الفلسطيني، مكلَّفةً من رئاسة مجلس الوزراء، بوضع تصوُّر لإدارة مخيّم نهر البارد على أن يكون نموذجاً في سيادة الدولة والقانون والأمان الإنساني بالتعاون مع كافة مؤسّسات الدولة الرسمية المدنية والعسكرية والبلدية المحيطة بالمخيّم، وبالطبع بالتنسيق مع وكالة الأونروا، واللجنة الشعبية في المخيم. وما تطرحه اللجنة اليوم يأتي في السياق عينه تنفيذياً، بعد إنجاز القسم الأكبر من أعمال إعادة بناء المخيّم، وهذا ينفي بالتّمام ما يُسوِّق زوراً عن ربط هذه الخطوة بما اصطُلح على تسميته بـ"صفقة القرن".

4- إن اللبنانيين والفلسطينيين يجمعون على أن "رفض التوطين" ومواجهة "صفقة القرن" هو مسارٌ استُهِل منذ النكبة (1948) وسيستمر. لكن هذا لا يعفيهم معاً من تنظيم علاقاتهم بالاستناد الى معادلة "الكرامة للاجئين تحت سيادة الدولة وقوانينها حتى العودة".

5- إن أي نقاشٍ مبني على وقائع وحقائق، أكثر منه على افتراضات وسيناريوهات هشّة، هو نقاش سليمٌ ومرحّب به، آملين أن يرتكِز الى قواعد علميّة خصوصاً في زمن يتميّز بخطورة الطروحات الشعبوية والارتجال.

إن لجنة الحوار اللبناني – الفلسطيني بما هي هيئة استشارية تتبع رئاسة الحكومة اللبنانية معنيّة بحوكمة رشيدة لحياة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان حتى العودة، أدّت وستستمر بتأدية واجباتها بالاستناد الى مندرجات الدستور اللبناني وقرارات الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية ذات الصلة وانطلاقاً من المصلحة الوطنيّة العُليا، وضمن هذه المندرجات والمرجعيات يأتي هذا التنويه.
(لجنة الحوار اللبناني – الفلسطيني، رئاسة مجلس الوزراء، 10حزيران 2019).

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019