نصرالله الآمر الناهي للجمهورية يهدد بتغيير المعادلة

منير الربيع

السبت 19/10/2019

عملياً، اتخذ حزب الله قراره. الحكومة ورئاسة الجمهورية ممنوعان من السقوط. تكفي هذه الجملة، لكشف دلالات كثيرة عن الوضع القائم في لبنان. بعيداً عن كل السجالات اليومية حول الضرائب، وإدعاءات رفضها.. وبعيداً عن التزام لبنان بالعقوبات الأميركية المفروضة على حزب الله. تبقى السياسة أبعد من كل ما يجري. وبالمعنى الحقيقي، فإن حزب الله من خلال حرصه على الحكومة و"العهد" أظهر كم هي حاجته لهما، أو كم تتلاءم مصلحته الاستراتيجية في ظل بقائهما. وفي هذه الحسابات التي تضمّنها كلام نصر الله تسقط كل حسابات الناس ومطالبهم. الاعتبار أصبح للموازين السياسية ولمن يهيمن عليها.

تحت وصاية "السيد"
بإعلانه هذا، أراد نصر الله أن يرسّخ حزب الله السلطة القائمة وبقائها بيده. إنها مرحلة الانقضاض على كل شيء في لبنان. مصادرة وجع الناس ومخاطبتهم به وإدعاء رفع شعارات داخل مجلس النواب والوزراء، ومصادرة القرار السياسي في البلد، مع إشارة أساسية أن ذلك كله يحدث مع "قبول" المجتمع الدولي وليس ضده. ينظر حزب الله إلى إقبال المنطقة مستقبلاً على تسوية كبرى. لذا، المرحلة التي تستبقها بحاجة إلى امتلاك أكبر عدد من الأوراق، ومنها الامساك بلبنان. "التسوية" الحالية هي أفضل حال بالنسبة إلى حزب الله: حليفه الاستراتيجي في رئاسة الجمهورية، وانصياع جيد من رئيس الحكومة، الذي لا يبدو مزعجاً للحزب. وبالتالي، أي إخلال بهذه التسوية سيؤثر على الحزب ومعادلته السلطوية سلباً.

لم يكن لدى نصرالله أي موقف سلبي من مؤتمر سيدر، ومن التزامات لبنان الدولية، كما لم يكن لديه موقف واضح ضد الإجراءات المالية والاقتصادية التي تزمع الحكومة اتخاذها. وهذا يعني أن الحزب يريد أن يبقى لبنان تحت وصايته من دون الصدام مع المجتمع الدولي، مع الإصرار أن يدرك العالم أن لبنان بيده، ولا يقبل أن يخسره مهما كان الثمن. وسابقاً كان قد فرض حزب الله نفسه كمفاوض أساسي باسم لبنان فيما يخص كل الملفات، من ترسيم الحدود، إلى النفط، إلى السلاح، إلى ما يتعلق باللاجئين.. وحالياً، من خلال فرض المعادلة التي يريدها في الملف المالي والاقتصادي، على نحو يقول فيه: "إن من يريد شيئاً من لبنان أو في لبنان عليه التفاوض معي".

الخط الأحمر.. والتنصّل 
الدلالة بارزة كانت أن نصر الله أوضح للجميع أنه هو سيد ومدبر ومدير "التسوية" والحكومة والعهد. ورسم الخط الأحمر أمام إسقاطها. ومعنى ذلك أن نصر الله قدّم نفسه كصاحب القرار في الحكومة وفي الشارع، لا سيما عندما تحدّث عن احتمال تحركه في الشارع عندما تقتضي الحاجة. وبنوع من التهديد، قال أن تحرك حزبه إذا حصل فلن يخرج من الشارع قبل تحقيق المطالب. هذه تكون متروكة ومؤجلة إلى أن تقتضي الحاجة.

دافع نصر الله عن الحكومة كما لم يدافع عنها أحد. لكن هذا الدفاع يتناقض إلى حد ما مع موقف حزب الله المعلن برفض الإجراءات الضريبية، التي يتقن حزب الله هنا فنّ تمويه موقفه منها، وفي إظهار نفسه خارج المسؤولية، وتحميلها إلى "تركيبة" النظام القائمة منذ عشرين سنة. هكذا، يبقى على صورية ولفظية معارضته للضرائب لكنها تُقرّ. وهذا يعني أن حزب الله يترك هامشاً للآخرين أن يقرروا ويتملص من القرارات. وفي المحصلة، يكون الحزب قد قضم البلد نهائياً، واستطاع تطويق جنبلاط وجعجع والحراك الشعبي المنفصل عنهما، وحول رئيس الحكومة إلى ما يشبه أمين سرّ لسلطته.

إقصاء المعارضين
والأهم أنه حاول تصنيف تحركات الناس وفق ما يرى، البعض من حقهم أن يتظاهروا تعبيراً عن وجع، والبعض الآخر ليس من حقهم أن يتظاهروا. هو يقصد أطرافاً سياسية كوليد جنبلاط وسمير جعجع، ما يؤكد فعلياً أن المرحلة الآن ليست لـ"ترف" تنوع الآراء السياسية، بل الانقضاض عليها ومصادرتها كلها. وإذا لم يكن ذلك ممكناً فلا بد من عزلها وإبعادها عن تركيبة الحكم. ولكنه شدد على منع إسقاط الحكومة والحفاظ عليها، وربما من دون "الاشتراكي" و"القوات" فيها، تمهيداً لخنقهم سياسياً. ما يريده حزب الله حالياً، كما الحريري وعون وباسيل، هو إنهاء هذه التحركات الاحتجاجية، وكسب الوقت والعودة إلى قواعد التسوية بهدوء.

ليست غاية الحزب مطالب الناس، الغاية الأساسية هي البقاء في هذه التسوية تحت مظلّة الاستقرار، بلا أي تعكير من أحد، للقول إلى المجتمع الدولي إن كل شيء بيده. أي حراك في الشارع من أي جهة سيؤثر سلباً على هذا الهدف. وسيحرّك الأرض من تحت أقدام السلطة الفعلية.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019