عون و"الثنائي الشيعي": الانقلاب على المبادرة الفرنسية

منير الربيع

الثلاثاء 15/09/2020
كل من شارك في الاستشارات النيابية التي أجراها رئيس الجمهورية ميشال عون، أمعن في ضرب الدستور واتفاق الطائف. انتهز عون فرصة تعطيل تشكيل الحكومة لإعادة خوض معركة الصلاحيات. الدستور واضح لجهة إجراء الاستشارات النيابية من قبل رئيس الحكومة المكلف. لكن عون، أصرّ على إجرائها بنفسه، والاستناد على الأكثرية النيابية التي يشكلها مع حلفائه، محاولاً فرض وجهة نظره على مسار تشكيل الحكومة.
وجّه عون أسئلة لممثلي الكتل النيابية، هل توافقون على اختيار رئيس الحكومة لممثليكم فيها من دون التشاور معكم؟ هل توافقون على أن يتولى كل وزير حقيبتين، ما يؤدي إلى إنعدام الإنتاجية؟
طبعاً، هو كان يريد رداً واضحاً على أسئلة تستبطن أجوبتها الرافضة للمسار الذي سلكه الرئيس المكلف.

البقاء في "اتفاق الدوحة"
تكامل موقف عون مجدداً مع موقف الثنائي الشيعي، ما أدى إلى تجميد المبادرة الفرنسية، وسط مخاوف من الإطاحة بها، خصوصاً أن لدى الثنائي مواقف واضحة تشير إلى أنه لو كان حزب الله في وارد تقديم تنازلات لكان قدّمها للأميركيين وليس للفرنسيين، في إطار صفقة أوسع، تعزز وضعه أكثر. تلقف الحزب المبادرة الفرنسية على قاعدة كسب الوقت، وإعادة تعزيز وضعه والالتفاف على المسار الأميركي. وهو حتماً لا يريد تقديم تنازلات فعلية للفرنسيين، علماً أن مضمون الشروط الفرنسية يؤدي في نهاية المطاف إلى النتيجة الأميركية المرتجاة.

الحكومة المقترحة وصيغة تأليفها من 14 وزيراً، كان يراد منها الخروج من اتفاق الدوحة، واستعادة التوازن السياسي. لكن تمسك الثنائي الشيعي بوزارة المال، يوضح أنه يريد البقاء في اتفاق الدوحة، كذلك أيضاً في المعركة التي لم تعد صامتة على الثلث المعطل. فرئيس الجمهورية أعاد التشديد على وجوب توسيع الحكومة إلى 24 وزيراً أو القبول بعشرين وزيراً. وهنا يكرّس الثلث المعطل على نحو بديهي. سينال الرئيس 7 وزراء من الحصة المسيحية، وهذا ثلث معطّل أول. في المقابل، سينال الثنائي الشيعي الحصة الشيعية المؤلفة من 4 وزراء، بحال كانت الحكومة مؤلفة من عشرين وزيراً، بالإضافة إلى وزيرين من حصة تيار المردة، ووزير من حصة طلال ارسلان. وبالتالي سيكون حزب الله قد حصل على الثلث المعطل أيضاً.

تشويه المبادرة الفرنسية
سيبلغ عون الرئيس المكلف بنتيجة مشاوراته مع الكتل النيابية، وبأنها لن تمنح الثقة لحكومة لا تكون شريكة في تأليفها واختيار وزرائها. وهذا مبدأ يرتكز عليه موقف حركة أمل وحزب الله وحزب الطاشناق. ويعني ذلك عودة التفاوض إلى المربع الأول: إما أن يوافق الجميع على شروط الثنائي الشيعي، وبالتالي تغيير المبادرة الفرنسية وتعديلها (أو تشويهها)، وإما استمرار التعطيل، أي الإطاحة بالمبادرة من أساسها، والذهاب إلى مرحلة جديدة من الاشتباك السياسي الداخلي، المرتبط إقليمياً ودولياً. 

المشكلة الأكبر ستكون في حال تشكلت الحكومة وفق شروط الثنائي الشيعي. عندها ستكون باريس قد منيت بهزيمة على الساحة اللبنانية، من خلال رضوخها للشروط. ما سيدفع الأميركيين إلى التشدد أكثر، بينما تكون الإدارة السياسية لمن عمل على رعاية رئيس الحكومة المكلف، قد أصيبت بفشل جديد، أدت إلى نتيجة واحدة، وهي منح الغطاء لحكومة جديدة مشابهة لحكومة حسان دياب، ولكن برئاسة مصطفى أديب.

ضرب الطائف
إذا حصل ذلك، يكون كل الارتياح الذي ظلل رؤساء الحكومة السابقين، ودفعهم إلى استعجال إعلان الانتصار، قد تبدد. وستتكرّس أعراف جديدة برعاية فرنسية هذه المرّة، حول الثلث المعطل، و"ميثاقية" وزارة المال، ينطلق منها أي تفاوض حول تطوير النظام، أو تعديل الدستور، أو الذهاب إلى الميثاق الجديد. المسار الذي سلكه رؤساء الحكومة السابقين بالمشاركة في استشارات بعبدا، يتحمّل جانباً كبيراً من المسؤولية في ضرب الطائف. وهم الذين كانوا يعلنون أنهم لن يسمحوا لرئيس الجمهورية بالتعدي على صلاحيات الرئيس المكلف. صحيح أنهم حاولوا تغيير مسار تشكيل الحكومة، واستعادة التوازن من خلال مصطفى أديب، لكن ما اقتُرف سابقاً لا بد من دفع تكاليفه، وتحمّل مسؤوليته في السوابق التي تحولت إلى أعراف، منذ مسار التنازلات ما بعد اتفاق الدوحة، وانقلاب العام 2011، إلى ما بعد التسوية الرئاسية في العام 2016.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020