أحداث الجبل: لبنان في صدمة والبيانات تتوالى

المدن - لبنان

الإثنين 01/07/2019

وقائع يوم الأحد 30 حزيران في قضاء عالية هزت لبنان، سياسة وأمناً واجتماعاً. السلم الأهلي يتعرض مجدداً لانتكاسة عميقة، لا بمعناه الأمني ولا بوقائعه المحدودة مكاناً وزماناً، بل بما يصيب علاقات الجماعات السياسية - الطائفية، و"توازناتها" الهشة دوماً.

الجميع استشعر الخطر أمام مشهد يستحضر صور الحرب الأهلية. لكن، ليس الكل انحاز إلى منطق التهدئة أو العقلانية، فالتحريض والتحدي والتعبئة والاستفزاز، هيمن على لغة ومواقف وتصريحات بعض القيادات والشخصيات السياسية.

برّي: الجبل الأشمّ
تابع رئيس مجلس النواب نبيه بري تداعيات الأحداث التي وقعت الأحد في الجبل، وانعكاساتها على الأوضاع العامة. وقد أجرى سلسلة من الاتصالات لتطويق ذيول ما حصل. وقال الرئيس بري معلقاً: "الوقت الآن هو للاحتكام للعقل والحكمة، وبذل كل مستطاع من أجل الحفاظ على الوحدة والاستقرار العام. ولنا ملء الثقة بعقلاء الجبل الأشم". وختم بري: "فليأخذ القضاء دوره في التحقيق حتى النهاية".

سلام: استفزاز شرائح عريضة من اللبنانيين
سارع الرئيس تمّام سلام إلى إصدار بيان قال فيه "إن التطور المأسوي الذي حدث في الجبل، جاء ليؤكد خطورة الخطاب التعبوي المتشنج، الذي يعتمده البعض منذ فترة، مستسهلاً إثارة الغرائز الطائفية ومتجاهلا حساسية التوازنات في هذه المنطقة العزيزة من لبنان، التي شهدت أسوأ فصول الحرب الأهلية. وقد حذرنا من ذلك في مناسبات عديدة". وأضاف، غامزاً من قناة الوزير باسيل ومن رافقه: "لقد سبق أن حذرنا في مناسبات عديدة من مخاطر هذا النهج. فلبنان لا يحتمل استمرار هذه الممارسات الاستعلائية واستفزاز شرائح عريضة من المجتمع اللبناني، من أجل تحقيق مكاسب سياسية شعبوية. وهو يحتاج إلى اعتماد لغة هادئة وعاقلة للتعامل مع جميع القضايا الخلافية، والسعي وراء ما يجمع اللبنانيين ويوحدهم، ليتمكنوا من مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجههم". ودعا جميع القيادات السياسية المعنية إلى "التعالي على الجراح والقفز فوق كل الاعتبارات الخلافية والعمل من أجل وأد الفتنة في الجبل وحماية العيش المشترك فيه وسط أجواء من الاستقرار".

السنيورة: أوقفوا سيل التصريحات والتصرفات المتهورة
بدوره، عبّر الرئيس فؤاد السنيورة عن "استنكاره الشديد للأحداث المؤسفة التي شهدتها بعض قرى منطقة عاليه، والتي ذهب ضحيتها قتلى وجرحى، وأدت إلى تعكير الأمن وتهديد الاستقرار في منطقة الجبل ومناطق واسعة من لبنان، فضلا عن كونها أدت إلى احتجاز عشرات الألوف من المواطنين لساعات طويلة على الطرق الدولية وتعريض أمنهم للخطر، ومسار أعمالهم وحياتهم للتعطيل".

ولمّح الرئيس السنيورة في بيانه إلى سلوك جبران باسيل، قائلاً: "من الحكمة والتبصر التنبه إلى خطورة الأوضاع الداخلية والإقليمية، والتي تقتضي من الجميع التوقف عن ذلك السيل الذي لا ينقطع من التصريحات والتصرفات المتهورة، والتي تستعيد شبح وهواجس الصدامات القديمة، وبالتالي العودة إلى تصويب البوصلة نحو التمسك باتفاق الطائف وبالدستور وقاعدة العيش المشترك للحفاظ على الاستقرار في لبنان.. كما وضرورة الإدراك والتقدير الصحيح لأهمية المصالحات التي تمت في الجبل، والتي صمدت بسبب الممارسة المستنيرة للحكمة والتبصر إزاء كل الظروف، وذلك لأن منطقة الجبل على وجه الخصوص تتمتع بخاصية وحساسية دقيقة. وذلك كله يقتضي العودة إلى الإقرار بحقيقة أساسية يجب ألا يغفلها أحد، بأن لبنان يحكم بقوة التوازن وليس بتوازن القوى الظرفي والمؤقت. فالأخيرة تضع لبنان بحالة عدم استقرار دائم، نتيجة انكشافه على التغيرات الظرفية والعابرة، التي يمكن أن تحدث بسبب محاولات تعديل موازين القوى".

في الوقت نفسه، أكد الرئيس السنيورة "ضرورة الالتزام بالدستور الذي ينص على أن أرض لبنان أرض واحدة لكل اللبنانيين. فلكل لبناني الحق في الإقامة على أي جزء منها والتمتع به في ظل سيادة القانون، فلا فرز للشعب على أساس أي انتماء كان، ولا تجزئة ولا تقسيم ولا توطين". وبالتالي، يجب أن تبقى طرق ومناطق لبنان مفتوحة أمام اللبنانيين جميعا، كل اللبنانيين، ومن الضروري عدم العبث بأمنها من أية جهة كانت".

كذلك، أكد "أهمية المبادرة التي يمكن أن يتولى فخامة رئيس الجمهورية الإشراف عليها وعلى ضبط تلك التصرفات المسيئة إليه وإلى لبنان واللبنانيين من قبل بعض المقربين منه". وطالب الرئيس السنيورة "بأن تنصرف الأجهزة الأمنية والقضائية إلى إجراء تحقيق شفاف وصادق وسريع لكشف الملابسات. وبالتالي، إلى إنزال العقوبات بحق المتجاوزين على القانون والنظام".

ميقاتي: عواقب تجاهل التوازنات
لم يشذ الرئيس نجيب ميقاتي عن السياق الذي جاءت فيه كلمات الرئيسين تمام سلام وفؤاد السنيورة في إلقاء المسؤولية الأساسية عما جرى على تصرفات وخطب جبران باسيل، من دون تسميته. إذ رأى الرئيس نجيب ميقاتي أن "الأحداث المؤسفة التي وقعت بالأمس (الأحد) في منطقة عاليه وأوقعت ضحايا وجرحى، شكلت رسالة قاسية للجميع، بضرورة وقف الشحن الطائفي والمذهبي، وعدم العودة إلى صفحات الماضي الأليم، التي تعاهد اللبنانيون على نسيانها. كما بينت أن محاولة التفرد بالقرار وفرض أعراف جديدة في التعاطي السياسي، وتجاهل التوازنات التي يقوم عليها البلد.. هي أشبه باللعب على حافة الهاوية". وأضاف: "لطالما حذرنا من مخاطر التعبئة الطائفية ومن محاولة الهيمنة والانقلاب على التوازنات السياسية ومن تجاوز أحكام الدستور والقوانين، ولا نزال إلى اليوم ندعو إلى ضرورة أن تراعي كل الفئات اللبنانية بعضها البعض، بعدالة ومساواة في الحقوق والواجبات، لننصرف جميعاً إلى حل المشكلات الكثيرة التي تواجه وطننا. وقد جاءت الأحداث المؤلمة، التي وقعت بالأمس الأحد لتظهر أن الشحن الذي حذرنا منه بات على أشده، ما يتطلب وقفة ضمير من الجميع، للعودة إلى كلمة سواء تزيل المخاوف الجدية من وصول الأمور إلى مستويات من التصعيد لا يعود ينفع معها الندم أو الأسف".

حمادة: "عابر طريق أو مدمن سلطة"
وفي كلمات حادة تستهدف أيضاً باسيل ومن معه، أكد النائب مروان حماده "أن المصالحة ستبقى راسخة في جبل لبنان، وستنتصر على كل من يحاول النيل منها أو الاعتداء عليها بالأقوال والتصرفات، بالأحقاد ونبش القبور". وقال: "إن الإنجاز الذي تحقق رغم الوصاية السورية آنذاك، بفضل المثلث الرحمات البطريرك الكبير مار نصر الله بطرس صفير وبمؤازرة سياسية وميدانية من الأستاذ وليد جنبلاط، لن ينال منه عابر طريق أو مدمن سلطة. فليعد الجميع إلى احترام الدستور واتفاق الطائف، والأخذ في الاعتبار الخصوصية اللبنانية بكل توازناتها. أما القضاء فنحن نرحب به في كل القضايا العالقة وليس تحت ضغط الانتقائية والانحياز".

إرسلان: أفتخر بعلاقتي ببشار الأسد
وفي مؤتمر صحافي بعد ظهر الاثنين عقده في دارته بخلده ، أسف النائب طلال أرسلان صحافي ، "التعرض باغتيال معالي الوزير صالح الغريب، وتعرض الموكب إلى كمين مسلح تم إطلاق النار عليه من عدة اتجاهات بطريقة الغدر، بأبشع أنواع الغطرسة واللؤم والاستفزاز، ذهب ضحيتها شابان من أطيب شباب الجبل".

وتابع: "بالنسبة لنا المحرض وصاحب الفتنة هو نائب الفتنة الذي يجلس على طاولة مجلس الوزراء، ولا يحترم أبسط قواعد العيش المشترك وسلامة المواطنين وسلامة أهله وناسه. ما حصل فتنة مخطط لها وتم التحريض عليها قبل يومين من قبل أوباش قطّاعي طرق لا يمكنهم تحمل الرأي الآخر".

وتساءل أرسلان: "هل الجبل هو من ضمن حكم الدولة أو خارج حكم الدولة؟!"، هل تحتاج الناس إلى تأشيرات للدخول إلى الجبل أو أن أهل الجبل يحتاجون لتأشيرات للانتقال داخل قراهم؟ ليكن معلوماً للجميع أن لحمنا ليس طرياً، وليس هناك أكبر من دارة خلدة لا لدى الدروز ولا لدى غيرهم"، مشيراً إلى أن "التوجه الاقطاعي والسلبي والتلطي وراء الناس، لا يدل على الرجولة بل على الجبن"، لافتاً إلى أن "من يحلل دم دروز إدلب وجبل العرب وجبل الشيخ والجولان ليس مستغربا أن يحلل دمنا". واستذكر علاقته ببشار الأسد، وربما مستعيناً به في خطابه "التحذيري" للدولة قائلاً: "علاقتي بالرئيس بشار الأسد أفتخر بها، وهدفها حماية أهلي وطائفتي من الجولان إلى جبل العرب".

واسترسل ارسلان: "بيان مجلس الدفاع الأعلى كان حاسماً ووضع اليد على الجرح. ولا يحق لأحد أكثر من الوزير الغريب أن يتحدث عن خصوصية الشحار. ونشكر الرئيس عون ومجلس الدفاع الأعلى على اجتماعه واتخاذه إجراءات أساسية.. ما يحصل امر معيب، وهو استهتار بكرامات الناس، وهو مرفوض جملة وتفصيلاً. ونحن لن نتعايش معه، وإذا أرادت الدولة أن تفرض هيبتها ووجودها فأهلاً وسهلاً بها، وان لم ترغب بذلك، فنحن نعلم كيف نفيي على ضيعتنا بكعبنا" وبلهجة تحذيرية، قال: "ما حصل لن يمر معنا، ولتتفضل الدولة لتحفظ حق الناس وإلا ستكون هذه الأخيرة عرضة للشبهات". وكشف ارسلان: "وزير الدفاع طلب مني ألا اسمّي بالأسماء. وأنا وعدته بذلك، لكني أقول أن الجيش اللبناني ملك الجميع، وهو مؤتمن على الاستقرار، ولا يمكن أن يستمر بمزارع مذهبية داخل تركيبته. وأتمنى على العماد عون ألا يصدق التزوير في المستندات المرسلة إليه".

أبي خليل: "نوايا باسيل الطيبة"
النائب "العوني"، سيزار أبي خليل دافع عن رئيس حزبه "التيار الوطني الحر"، وملقياً الملامة على القوى الأمنية، قائلاً: "هناك دور للقوى الأمنية كان يجب أن تلعبه بشكل أفعل. وإذا كان هناك من يريد الإخلال بالأمن، هذا لا يعني أنه يجب منع حركة المواطنين. بأي منطق نفتعل إشكالات في كل منطقة ونمنع مرور المواطنين؟ هذه محاولات بائسة وسخيفة من البعض لتحميل الوزير جبران باسيل مسؤولية ما حصل. فكلامه في الجولة تناول مد الجسور والتعاون مع الآخرين، وإظهار صورة التيار الجامع بين مختلف الأطراف. والظاهر أن هذه الصورة تتناقض مع البعض. فإطلاق قذائف صاروخية في الجرد سبق كلام الوزير باسيل ،الذي لم يحمل إلا كل نية طيبة تجاه جميع الأطراف. ونتمنى ألا تسوء الأمور ويتوقف ذلك على مدى فعالية الأجهزة الأمنية والقضاء. لسنا من دعاة الدويلات والإقطاعات والكانتونات. بل مع المؤسسات الأمنية والقضائية الفاعلة، والقضاء ملزم بإحقاق العدالة. ولا يمكن أن يمر ما حصل مرور الكرام. وننتظر اجتماع مجلس الدفاع الأعلى وتوقيف كل من تسبب بأحداث البارحة. واضح أن هناك قوى تنزعج من صورة التيار العابر للمناطق والطوائف، وتريد إعادتنا إلى عصر الاحتكار والإقطاع. ولا تستطيع إلا العيش في بيئة التوتر. لكنهم مخطئون بالرزنامة وندعوهم للعودة إلى الواقع. فرسالتنا الانفتاح والتعايش واليد الممدودة لكل اللبنانيين".

"لقاء سيدة الجبل": باسيل فتنة متنقلة
عقد "لقاء سيدة الجبل" اجتماعه الأسبوعي في الأشرفية وأصدر البيان التالي:

"لقد تصدر الموارنة شرف انتفاضة الاستقلال من خلال المصالحات المتدرجة، حتى الوصول إلى المصالحة الوطنية في 14 اذار 2005، وكان للوزير وليد جنبلاط مساهمة رئيسية في طي صفحة الحرب في الجبل، وفي إطلاق ثورة سلمية أدت الى خروج الجيش السوري من لبنان. لكن بعض الموارنة عاد إلى استخدام خطاب فئوي ارتكز على "استرجاع الحقوق المسلوبة"، مرة متهمين اتفاق الطائف، ومرة قوانين الانتخابات، ومرة بلطجة البعض. وسرعان ما تحول هؤلاء الى أدوات في يد كل من يريد تصفية حسابه مع الآخر، في منطقة ملتهبة وعلى وقع الصراعات الطائفية والمذهبية".

أضاف البيان: "وبدلاً من تعزيز الوحدة الداخلية في وجه الفتنة، تمادى هؤلاء في مواجهة الجميع وضربوا إلى غير رجعة صورة عهد الرئيس ميشال عون الذي يبدو اليوم على خلاف مع الجميع إلا مع حزب الله". وأمام هذا الواقع الأليم يؤكد "لقاء سيدة الجبل" على النقاط التالية:

- التمسك بحرية النشاط السياسي لجميع اللبنانيين على كل الأراضي اللبنانية من دون استثناء، والتذكير بأن الجبل هو جبل كل اللبنانيين كسائر المناطق اللبنانية وليس لفريق بمعزل عن الآخر.

- يحمل اللقاء السلطة بأجهزتها المعنية، مسؤولية حماية هذه الحرية للبنانيين سواء باستباق الأحداث أو معالجتها فوراً، وذلك من خلال توفير الظروف الأمنية والسياسية التي يتطلبها أي نشاط، لا سيما إذا طرأت أجواء توتر في أي منطقة.

- التمسك بمصالحة الجبل التي صنعها البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير و الوزير وليد جنبلاط والوقوف بحزم ضد كل من يريد التلاعب بثوابتها.

- إدانة الخطاب المذهبي للوزير باسيل، الذي أصبح فتنة متنقلة، والذي يتحول بمعرفة أو بعدم معرفة إلى عصا في يد النظام السوري و"حزب الله" ضد السنّة وقسم من الشيعة والدروز وفريق من المسيحيين.

- مطالبة الوزير وليد جنبلاط، الحريص مثلنا على أمن الجبل وعلى الوحدة الداخلية، بضبط النفس والوقوف بحزم ضد الفتنة التي تستهدفه، كما تستهدف أهلنا المسيحيين في الجبل.

- مناشدة البطريرك الماروني، وهو المؤتمن على مجد لبنان، التحرك العاجل لحماية وحدة الجبل والمصالحة، وذلك من خلال دعوته إلى قمة روحية في بكركي أو في بيت الدين، للتأكيد على العيش المشترك والتمسك بالدستور والطائف ورفض العودة إلى الوراء. كما أن كلا من القيادات السياسية المسيحية مدعوة إلى إظهار الموقف وعدم دفن الرؤوس في الرمال.

لقد ورد في نصوص المجمع البطريركي الماروني أن الكنيسة المارونية شهدت أولادها "يَقتلون ويُقتلون ويتقاتلون"، فحذار العودة إلى الوراء.

- إن مرجعية الدولة في لبنان ترتكز على احترام اتفاق الطائف والدستور، ولن نستبدلها بحزب نافذ، يقدم نفسه حكماً بين اللبنانيين. وفي غياب الحكومة، يصبح حزب الله هو الدولة الفعلية في لبنان".

أخيراً، إذا كان مفهوماً صمت حزب "القوات اللبنانية" والبطريركية المارونية (حتى الآن)، فالغرابة في غياب وصمت الوزير جبران باسيل.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019