الأمر بـ"قبع" البيطار صدر.. والقاضي يستمر بلا وجل

نادر فوز

الثلاثاء 12/10/2021
اليوم، بات الوزير السابق علي حسن خليل مطلوباً للعدالة رسمياً، بعد إصدار المحقق العدلي في جريمة انفجار مرفأ بيروت، القاضي طارق البيطار، مذكرة توقيف غيابية بحقه. لم يمثل خليل، ولا وكلاؤه القانونيون لتقديم الدفوع الشكلية، فأصدر البيطار تلقائياً مذكّرة التوقيف. وبعد دقائق من صدور المذكرة، تبلّغ البيطار من رئيس الغرفة الأولى في محكمة التمييز المدنية، القاضي ناجي عيد، قرار رفع يده عن الملف لحين البتّ بطلب الردّ المقدم من كل من خليل والوزير السابق غازي زعيتر. فيتوقّف التحقيق للمرة الثالثة في أقل من ثلاثة أسابيع. سبق للوزير السابق المدعى عليه، نهاد المشنوق، أن تقدم بطلب الرد يوم 24 أيلول وأسقطه رئيس محكمة الاستئناف في بيروت القاضي نسيب إيليا. ثم تقدّم كل من زعيتر وخليل بـ"الردّ" يوم 8 تشرين الماضي وأسقطته رئيسة الغرفة الخامسة في محكمة التمييز المدنية، القاضية جانيت حنا‏. فيأتي الطلب الجديد أمام القاضي عيد الذي بلّغ البيطار وباشر النظر في الطلب.

خطوات عيد
لم يسلك القاضي عيد المسار نفسه الذي سلكته القاضية حنا التي أسقطت طلب زعيتر وخليل بالشكل من دون النظر فيه ومن دون حتى تبليغ القاضي. فينتهج عيد المسار الذي سبق واتّخذه القاضي إيليا، بتلبيغ البيطار ليتوقّف التحقيق بانتظار تبليغ كافة المعنيين والخصوم في الملف واستطلاع آرائهم بعدها بأيام، ليعمل على تحديد موقفه من الطلب. على أن يتنفّس كل من الوزيرين السابقين المشنوق وزعيتر الصعداء، لكون جلستا الاستجواب المحدّدتان لهما يوم غد للمثول أمام البيطار قد أرجئتا بفعل طلب الردّ. فهل يعتب الوزير خليل على زميليه المشنوق وزعيتر لكون مذكرة التوقيف صدرت بحقه وحده؟

مذكرة التوقيف
وجاء في مذكرة التوقيف (يمكن الاطلاع عليها كاملاً بالصورة المرفقة أدناه) الصادرة بحق خليل التالي: "اسم المطلوب توقيفه وشهرته علي حسن خليل والدته توفيقة، مهنته محامٍ ونائب حالي ووزير سابق، تابعيته لبناني، تاريخ ميلاده 1964، نوع الحرم وماهيته القتل والإيذاء والإحراق والتخريب معطوفة جميعها على القصد الاحتمالي". واستندت المذكرة إلى 11 مادة من قانون العقوبات معطوفة على المادتين 189 و373. ولفت البيطار في مذكرته إلى أنّ "كل مأمور قوة مسلّحة مكلف بتوقيف الشخص المدرجة هويته أعلاه وسوقه بلا إبطاء إلى دائرة السجن المتوفر. ويمكن عند الاقتضاء الاستعانة بالقوة المسلحة الموجودة في الموقع الأقرب لمحل إنفاذ المذكرة التي هي نافذة في جميع الأراضي اللبنانية، وعلى قائد هذا الموقع استجابة الطلب. وذلك عملاً بأحكام المادتين 107 و109 من قانون أصول المحاكمات الجزائية. وعلى من ينفذ هذه المذكرة إحضار الموقوف بمهلة أقصاها 24 ساعة إلى جانب النائب العام المختص تحت طائلة المسؤولية". إلا أنه يبقى على النيابة العامة تعميم المذكرة على الأجهزة الأمنية والمعنية بهدف تنفيذها، مع الإشارة إلى أنه لم يتم حتى اليوم تعميم مذكرة التوقيف الغيابية الصادرة يوم 16 أيلول الماضي بحق الوزير السابق يوسف فنيانوس. 

خطاب نصر الله

في السياق، شنّ أمين عام حزب الله، حسن نصر الله، أمس هجوماً صاعقاً على القاضي طارق البيطر. أصدر ما يشبه "أمر اليوم"، أو على أبعد تقدير "أمر المرحلة" والذي يقضي بأنّ التحقيق في جريمة انفجار مرفأ بيروت وتحقيق القاضي طارق البيطار "ما في يكمّل هيك خصوصاً في الأيام القليلة المقبلة، ما يحصل خطير جداً جداً جداً جداً جداً جداً جداً إلى أن ينقطع النفس". فدعا مجلس القضاء الأعلى ومجلس الوزراء إلى إيجاد "حلّ للموضوع". لكن، بعد مراجعة النصوص القانونية، ليس بيد مجلس الوزراء أي مادة قانونية يمكنه من خلال التدخّل في التحقيق وعمل المحقق العدلي وتحديد  مصيره. لكن بإمكان مجلس القضاء الأعلى ووزير العدل أن يعيدا النظر في تكليف البيطار محققاً عدلياً، إنما يجب أولاً أن ينوجد مجلس للقضاء الأعلى. رسالة نصر الله كانت واضحة في اتهام البيطار بالتسييس والاستنسابية والاستهداف السياسي وأن عمله لا علاقة له بالحقيقة والعدالة والمحاسبة. المطلوب "قبع" البيطار، كما سبق ووعد مسؤول وحدة الارتباط والتنسيق في حزب الله وفيق صفا قبل ثلاثة أسابيع. نصر الله لم يتطرّق إلى خبر تهديد صفا للبيطار، لم يعلّق عليه، لم ينفه، بل أكده في مضمون خطابه.

القاضي طارق البيطار، بعد خطاب مماثل صادر عن شخصية سياسية بهذا الحجم والقوة والتحكّم والقرار والتوجيه والإرشاد، مضى في جلسة استجواب خليل اليوم وأصدر مذكرة توقيف بحقه. هل هو رجل حديدي؟ فولاذي؟ القرار السياسي الرسمي بقبعه صدر ودخل حيّز التنفيذ، لكنه بقي في مكتبه وتابعه عمله. حمايته، المعنوية والفعلية والأمنية، تحصيل حاصل. لكن مِن مَن؟ "على الله"، يجيب البعض. هو استحقاق مصيري لا يعني فقط القاضي البيطار ولا التحقيق في مجزرة 4 آب وحقوق الناس والشهداء والضحايا وعموم اللبنانيين. بل استحقاق يعني القضاء ككل، كمؤسسة، كسلطة. المطلوب، بعد هذا الكلام والكثير الذي سبقه والأكثر الذي قد يلحق به، هو قضاء بلا سلطة. أي مكاتب ومباني وقاعات وقصور عدل وجسم قضائي وآخر قانوني لكن من دون سلطة. المطلوب ورق تين يحجب العورات بأي شكل كانت، كما سائر بارافانات المؤسسات التي تحمي التكتّل الحاكم بأمره في الأمن والسياسة والمال والدستور والقانون. لكن على ما يقول البعض "على الله".

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2021