القانون الانتخابي "أرثوذكسي" مقنّع: الفوز المحقق للأحزاب أو التأجيل

وليد حسين

الثلاثاء 12/10/2021
عندما أقرت القوى السياسية النسبية في لبنان في قانون الانتخابات، لم يكن الأمر تسليماً منها لمطالب المنظمات المدنية الداعية لعدالة التمثيل. كان يمكن كسر "تابو" النسبية التي رفضتها القوى السياسية منذ ما قبل الحرب الأهلية، في القانون الذي قدمته لجنة فؤاد بطرس، التي شارك فيها القاضي في محكمة العدل الدولية نواف سلام، أحد مؤسسي الجمعية اللبنانية لديمقراطية الانتخابات، والتي اقترحت إصلاحات كبيرة على القانون والنظام الانتخابيين في لبنان. حينذاك كان يمكن التأسيس لنسبية يمكن أن تتطور مع الوقت، خصوصاً أن النظام الذي اقترحته لجنة بطرس كان يقوم على النظام المختلط، أي يُنتخب جزء من المقاعد على أساس النظام الأكثري، والجزء الآخر على أساس النظام النسبي، مع توسيع الدوائر الانتخابية لتكون متنوعة طائفياً.

أرثوذكسي مقنّع
ما جرى في العام 2017 أن خبراء الانتخابات التابعين للأحزاب الخمسة الأساسية، فصّلوا نظاماً نسبياً أسوأ من الأنظمة الأكثرية بأشواط. فخخ النظام الانتخابي باعتماد دوائر متجانسة طائفياً، وحصر خيار الناخب بالتصويت بصوت تفضيلي واحد وعلى مستوى الدائرة الصغرى، وباعتماد الحاصل الانتخابي عتبة لدخول اللوائح إلى مرحلة توزيع المقاعد. وهذا ما جعل العتبة الانتخابية في لبنان من أعلى العتبات الإقصائية للقوى المعارضة في العالم.

فُصِّل النظام على مقاسات زعماء المناطق ورؤساء الأحزاب. وحصر خسائر المقاعد لصالح الأحزاب الأساسية الحاكمة، وليس المعارضة. وكان بمثابة القانون الانتخابي الأرثوذكسي، لكن مقنّعاً (كل طائفة تنتخب مقاعدها)، جراء اعتماد الصوت التفضيلي على مستوى الدوائر الصغرى. وكان جبران باسيل من اقترح هذا الخيار وتوزيع الفائزين على أساس نسبة الصوت التفضيلي، ولم تمانع باقي القوى طالما أنه كان الطريقة المثلى لفوز زعماء الدوائر الصغرى.

تجديد الشرعية
ورغم أن مفاعيل هذا النظام ما زالت قائمة في الانتخابات المقبلة، لن تقدم قوى السلطة على إجراء الانتخابات قبل ضمان الفوز المحقق، والقضاء على أي قوة معارضة تطمح للحصول على بضعة مقاعد. بمعنى آخر، السلطة لن تقدم على الانتخابات إلا إذا تطابقت حسابات ماكيناتها الانتخابية مع سيناريوهات الربح المؤكد. وتكون الانتخابات حينذاك موسماً و"عرساً ديمقراطياً" لتجديد شرعية هذه السلطة، وتحت أعين رقابة المنظمات الدولية، التي ترسل عادة مراقبينها. وهؤلاء، كما اعتدنا يراقبون بعض مراكز الاقتراع وأقلامها ويتأكدون من حسن سير الانتخابات على المستوى الإجرائي، أي القشور، من دون الغوص في أسس الانتخابات القائمة على نظام انتخابي أشبه ببدلة فصلها خياطو الأحزاب، للتباهي بتنفيذ الاستحقاق المطلوب والمرغوب دولياً. 

حجج التأجيل
الانتخابات قائمة إذاً، إلا في حال استمر تدهور الوضع الاقتصادي والمالي، ووصل لبنان إلى قعر القعر، ولم تتفق الأحزاب على كيفية تقاسم المقاعد. حينذاك يكون تأجيل هذا الاستحقاق مؤكداً، والذرائع جاهزة: في السابق اخترعوا الحجج الأمنية، واليوم يمكن اختراع مشكلة المقاعد الست المخصصة للخارج، والميغاسنتر، ومن يعلم، ربما الكوتا النسائية. فيخرج حينها "صاحب الأرانب"، ويقيم الدنيا ويقعدها لضرورة تمثيل المرأة. ومشروع القانون جاهز وحظي بمباركة النائبة عناية عز الدين، التي تحارب اليوم لتكريس مقاعد للنساء في المجلس وموزعة طائفياً أيضاً. 

إصلاحات لتجاوز الطائفية
ثمة إصلاحات جوهرية يجب أن تطال النظام الانتخابي للانتقال إلى ما يطلق عليه نواف سلام "نحو الجمهورية الثالثة" التي تتطلب إصلاحات سياسية لتكريس مبدأ المواطنة ومفهوم سيادة القانون. وهي إصلاحات ضرورية لإيجاد المدخل "إلى تجاوز الطائفية السياسية"، التي تحتاج إلى قوى اجتماعية جديدة وطنية غير طائفية. لكن لا يمكن تحقيق الانتقال من دون وضع نظام انتخابي عادل. فالنظام النسبي الحالي لا يحقق هذه الغاية. لذا فأن التعديلات الجوهرية لا تقتصر على تعديل الدوائر الانتخابية الحالية، التي وضعت مع الصوت التفضيلي لتكون دوائر  صافية طائفياً، وجعلت من النسبية قانوناً انتخابياً أرثوذكسياً مقنّعاً. بل يجب اعتماد المحافظات دوائر انتخابية متنوعة طائفياً، كما ينص اتفاق الطائف. ويجب منح الناخب حق الاقتراع أقله بصوتين تفضيليين أو ثلاثة وأكثر على مستوى الدائرة الكبرى، لتسهيل نشوء تحالفات انتخابية بين القوى السياسية المتنوعة، من خلال قيام الناخبين بترتيب المرشحين وفق الخيارات على اللائحة لحظة الدخول في مرحلة توزيع المقاعد على الفائزين. وهذه الإصلاحات يجب أن يليها الذهاب إلى تأسيس المجلسين كما ينص الطائف، وإلغاء طائفية المقاعد في المجلس النيابي، للوصول إلى ما يسميه سلام "تجاوز الطائفية".

إصلاحات ضروية وملحة
طرح هذه التعديلات الجوهرية غير مفيد في الوقت الحالي، كي لا تنسف القوى السياسية الاستحقاق كما فعلت سابقاً. لكن ولأن الانتخابات قائمة ولا مبررات لتأجيلها، ثمة تعديلات ضرورية وأساسية وملحة كي تكتسب الانتخابات المقبلة شرعية بالحدود الدنيا، ولا تكون مناسبة كي تجدد قوى السلطة مشروعيتها من خلال انتخابات "ديمقراطية" لا ينتج عنها أي تغيير جدي في البلد. 

على رأس هذه التعديلات تكريس حق الاقتراع للجيل الشاب. فمشاركة الشباب في صنع القرار من خلال حق الاقتراع لمن هم فوق 18 عاماً، أساسي. وهو قابل للتعديل على مستوى الدستور والقانون الانتخابي. ففي السنتين الأخيرتين خرج مئات ألوف الشباب إلى الشوارع للمطالبة بالتغيير، وكانوا عصب انتفاضة 17 تشرين، ولا يجوز الإمعان في حرمان هذا الجيل من الانتخابات. بل يجب تكريس عدم شرعيتها في حال عدم الإقدام على هذه التعديلات. 

وفي العام 2015 جالت الحملة المدنية للإصلاح الانتخابي على كل القوى السياسية الممثلة في البرلمان، وأكدت وقوفها إلى جانب هذا الإصلاح من خلال توقيع عريضة أعدت لهذه الغاية. لكن تبين أن تلك التواقيع كانت رياءً وتدليساً، ودلّ على ذلك عدم اشتمال القانون هذا البند الإصلاحي. 

الكوتا النسائية
أما التعديل الثاني الأساسي، فيتمثل بتكريس مبدأ مشاركة المرأة في الحياة السياسية. لقد خرجت مئات ألوف النساء في انتفاضة تشرين، حتى قيل إن الثورة أنثى.
وثمة طروحات لكيفية إشراك المرأة، بعضها سيئ للغاية يقوم على تخصيص مقاعد في البرلمان للنساء موزعة على أساس طائفي، تؤدي إلى عدم تحقيق مقاصد مشاركة النساء في صنع القرار، وتكريس الطائفية. لكن يمكن العودة إلى اقتراح تخصيص كوتا نسائية على الترشيح، قدمته الجمعية اللبنانية من أجل ديمقراطية الانتخابات. ويقوم على تخصيص كوتا بنسبة 30 بالمئة، أو إلزام كل لائحة بعدم تجاوز أي جنس الثلثين من المرشحين. لكن لا يجب اعتماد هذا الخيار لأكثر من دورات انتخابية ثلاث. فهدفه تعزيز المشاركة النسائية وتكريسها ليصار بعدها إلى الغاء هذه الكوتا، لأنها تقوم على التمييز بين الرجل والمرأة في الأحول كلها. 

حزب الله والكوتا
في العام 2015 وقف حزب الله وحيداً بين كل القوى السياسية ضد الكوتا، ورفض توقيع عريضة الحملة المدنية للإصلاح الانتخابي، الآنفة الذكر. برر الحزب إياه رفضه ليس لأن الكوتا تفتقد المنطلقات الشرعية، بل لأن ليس لدى حزب الله كوادر نسائية يمكن ترشيحها. أما تيار المردة فكان أكثر ذكاءً، فبرر رفضه الكوتا بأنها تكرس التمييز بين النساء والرجال! ما يعني أن تكريس هذه الكوتا أساسي لإلزام حزب الله وباقي الأحزاب بالانفتاح على مشاركة المرأة في صنع القرار داخل الحزب عينه وخارجه. وحاجة الحزب للنساء باتت أساسية في مسيرته الحالية، التي افتتحها بجهاد "كورونا" والجهاد الزراعي وتنظيم شؤون القرى والبلدات بتوزيع المحروقات والمواد الغذائية، وصولاً إلى استيراده النفط الإيراني، والتوسع لانشاء معامل كهرباء وغيرها من شؤون الاقتصاد والمجتمع غير الحربي.   

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2021