"المحروم" أبو علاء: مقاتلٌ مُنع من المطالبة بالإمام الصدر

نبيلة غصين

الأربعاء 30/08/2017

يعتبر 31 آب يوماً استثنائياً عند أنصار السيد موسى الصدر. ففي هذا اليوم من العام 1978 أُخفي الإمام وانقطع الاتصال معه، خلال زيارته الجماهيرية الليبية.

أسسس موسى الصدر خلال وجوده في لبنان "حركة المحرومين"، ثم حركة أمل، والمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى. أبو علاء، أحد الذين رافقوا الإمام منذ العام 1974 إلى يوم إخفائه، يروي لـ"المدن" ذكريات وتفاصيل أبرز المحطات التي مرت بها حركة الصدر.

بدلة أبو علاء
لا يمكن عندما تقابل أبو علاء، الذي تجاوز السبعين من عمره، أن تغفل عن ملاحظة بنيته الصلبة وقامته الممشوقة. مشيته حركة مقاتل، وتكاد تسمع دعسة أقدامه على الأرض. ورغم ارتدائه بدلة رسمية، إلا أن ملامح البدلة العسكرية ما زالت حاضرة بقوة. فهو، الذي انتسب إلى الحركة في العام 1974 في العشرين من عمره، كان عضو المجلس العسكري المركزي، ومسؤول الرقابة والقضاء في منطقة برج البراجنة.

لانتسابه إلى حركة المحرومين قصة تختصر حال طائفة ووطن، كما يقول. هو الذي انضم إلى الجيش اللبناني في سلاح الجو، جاء أمر بتسريحه في العام 1973 بعد ثلاثة أشهر من التحاقه، بسبب انعدام التوازن الطائفي في تلك الدورة. فقرر الالتحاق بحركة السيد موسى الصدر. "أنا كشيعي ما كان إلي حقوق بالبلد. بس لما إجا الإمام الصدر صار إلنا حقوق".

البداية كانت مع مهرجان بعلبك. فلا يزال المهرجان الأول الذي أقيم في منطقة رأس العين حاضراً في أذهان الناس. "استيقظنا عند الخامسة فجراً، وكانت الجماهير تأتي من كل حدب وصوب. وفي حينها، أعلن الإمام معارضته سياسة الدولة والحرمان القائم في الجنوب والبقاع وعكار". يروي أبو علاء كيف رفع آلاف الناس أيديهم لتأدية قسم اليمين، موالين الإمام.

بعد أشهر تحدد موعد مهرجان صور. فأولوية حركة المحرومين ووجهتها كانت دائماً حماية الجنوب والدفاع عنه. من هنا، كانت رمزية إقامة مهرجان في منطقة جنوبية. يقول أبو علاء إن الطرق زرعت بالمسامير لعرقلة وصول الجماهير إلى الاحتفال، إلا أن الناس ترجلوا من سياراتهم وأكملوا الطريق سيراً على الأقدام. و"بعد هذه المهرجانات، ما عادت الدولة قادرة على كبح جماح حالة موسى الصدر".

يفسر أبو علاء سبب هذا الإلتفاف حول الصدر بانعدام المرجعية الشيعية المسؤولة. فعلى مر التاريخ كان للشيعة زعامات هم: بيت الأسعد وعسيران والخليل في الجنوب، وآل حمادة وحيدر في البقاع. لكن هذه الزعامات لم تتمكن، في رأيه، من حفظ حقوق أتباع هذا المذهب رغم أنهم كانوا في الحكم، إلى أن جاء الإمام الذي كان "يملك ولا يحكم ورفع كرامة الشيعي، طرح أوجاع الناس وكان بمثابة خشبة الخلاص لنا".

أفواج المقاومة
كان انفجار عين البنية، الذي وقع في مخيم للتدريب في البقاع، محطة مفصلية في مسيرة حركة المحرومين. "كانت الفصائل الفلسطينية تقوم بتدريبنا على السلاح، وحينها سقط لنا أكثر من 50 شهيداً". ورغم أن الشائع هو أن الانفجار وقع عن طريق الخطأ، يشكك أبو علاء في مضمون هذه الرواية. ففي رأيه، كان حادثاً مدبراً ومفتعلاً من فصائل فلسطينية، إذ ليس من مصلحتها وجود حركة شيعية مقاومة غير خاضعة لها. وبعد هذه الحادثة إضطر الإمام إلى إعلان قيام "حركة المحرومين" وجناحها العسكري "أفواج المقاومة اللبنانية- أمل"، كي لا يذهب دم الذين سقطوا هدراً، وكي ينضوي "الشهداء" تحت راية محددة.

المؤتمر التأسيسي الأول
يقول أبو علاء الذي كان حاضراً في المؤتمر التأسيسي الأول، الذي عقد في منطقة البرج الشمالي في الجنوب، إن "المؤتمر الذي استمر لمدة ثلاثة أيام حضره نحو 300 عنصر، وتشكلت بعدها القيادة التنظيمية على رأسها الإمام الصدر، بينما عين مصطفى شمران (أصبح بعد انتصار الثورة الإيرانية وزيراً للدفاع) مسؤولاً تنظيمياً عاماً في لبنان، وحسن هاشم مسؤولاً تنظيمياً في اقليم الجنوب. أما مسؤول البقاع فكان أسعد صبحي جعفر. وفي بيروت استلم عاطف عون. وقد تم تحديد الموقف السياسي ومناقشة الحالة الاجتماعية والوضع العسكري للحركة".

بعدها بدأت عملية التسلح. وكانت الصفقة الأولى: "اشترينا نحو 600 قطعة رشاش روسي يدعى أبو ذقن، وقمنا ببيع جزء منها بسعر مرتفع. أما ما تبقى منها فتم تقاسمه بين أفراد الحركة. وقد اشتريت حينها نحو 50 قطعة".

اختفاء الصدر
يروي أبو علاء كيف بدأت رحلة الإمام إلى الجماهيرية الليبية. في ليل الخميس، في 25 آب 1978، "اجتمعنا في مجمّع الزهراء في خلدة، وحاولنا حتى ساعات الصباح حث الإمام على رفض الزيارة". فوفق أبو علاء، كانت العداوة بين حركة المحرومين ومعمر القذافي قائمة، لأن الإمام لم يكن مطواعاَ والحركة لم ترض بأن تكون تابعة، بعكس الفصائل الأخرى، التي كانت جميعها "تقبض" من القذافي. وفي ذكرى الثورة الليبية، في ذاك العام، جاءت الدعوة عبر الرئيس الجزائري هواري بوميدين، الذي تربطه علاقة قوية بالإمام. فأصر الصدر على تلبية الدعوة رغم الاعتراضات. وفي اليوم التالي سافر مع الشيخ محمد يعقوب والصحافي عباس بدرالدين إلى ليبيا.

يروي أبو علاء: "من عادة الإمام أن يصرح فور وصوله إلى أي بلد، إلا أننا انتظرنا ورود أي خبر عبر وسائل الإعلام، لكن لم يرد شيء. اجتمعنا، أنا وعاطف عون وزكريا حمزة، في منزل أحمد قبيسي في فردان، وهو عضو في المكتب السياسي. في تلك الليلة، تواصلنا بمقدم في الجيش الليبي اسمه محمد، الذي هدأ روعنا وقال إن الإمام بخير، وهو يقيم في فندق الشاطئ وبأنه سيقابل القذافي في اليوم التالي. وفي وقت لاحق، تم التواصل مع صهر الرئيس حسين الحسيني، محمد سلمان، وهو معلق سياسي في الإذاعة الليبية، الذي ذهب إلى الفندق في اليوم الخامس للزيارة، فأبلغوه أن ثلاث سيارات جاءت واصطحبت الإمام ورفيقيه". والأمر المؤكد، وفق أبو علاء، هو أن القذافي لم يستقبل الإمام.

بعد مرور نحو شهر على اختفاء الإمام، اجتمع المسؤولون في الحركة، وتم تعيين حسين الحسيني أميناً عاماً مؤقتاً، وكان نبيه بري مقيماً في الولايات المتحدة. لم يرض العديد من أفراد الحركة عن هذه التعيينات. فقد "أسقطوا علينا من فوق، حتى أن بري لم يكن حاضراً في المؤتمر التأسيسي الأول. لكن هذا ما كان يريده نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ محمد مهدي شمس الدين وبعض القيادات الشيعية. وكانت بمثابة تسوية. وكنا بحاجة إلى إعادة التنظيم خوفاً على مصير الحركة".

القذافي في لبنان 
بعد تغييب الإمام الصدر بأشهر عدة عقدت "جبهة الصمود والتصدي" اجتماعاً في سوريا، بحضور قادة وزعماء عرب، من بينهم القذافي. يقول أبو علاء: "نظمنا مظاهرة من لبنان إلى سوريا، ضمت نحو 7 آلاف شخص. لم يسمحوا لنا بالعبور، إلا بعدما أمر الرئيس السوري حافظ الأسد بذلك. تجمعنا في معرض دمشق وانتدبنا الشيخين شمس الدين وعبد الأمير قبلان للقاء الزعماء". لكن أبو علاء يؤكد أنه حتى اليوم لم يعلم أحد بمضمون الاجتماع، و"عدنا إلى بيروت من دون أن نفهم ما الذي جرى".

بعد أيام على هذه الحادثة، قرر القذافي زيارة لبنان. "كان الجميع ضدنا حتى السوريين. أمضينا الليل في التشاور لاتخاذ القرار الصائب، فقد إعتبرنا الزيارة إذلالاً لنا ولكرامتنا". كانت الساعة الثانية فجراً، عندما دخل أبو علاء وشاهد الرئيس الحسيني رافعاً يديه إلى السماء، وقال: "فلتكن مجزرة، لا تسمحوا لأحد بالتجول، حتى لو كان أبي اقتلوه". أعلنت حالة التأهب، وكانت القذائف والرشاشات مصوبة نحو القصر الجمهوري لمنع أي طائرة من الهبوط، حتى أنه تم منع الرئيس سليم الحص من العبور عبر حاجز خلدة وطلب منه العودة. وعند الساعة العاشرة صباحاً ألغيت زيارة القذافي.

فتحت هذه الحادثة أبواب الجحيم على الحسيني، وبدأت المؤامرات. حينها، اقترح الحسيني أن يتولى نجل الإمام، الأمانة العامة للحركة، لكنه رفض. فحوصر الحسيني أمام خيارين: إما أن تنقسم الحركة إلى تيارين، وتدخل في معركة الدم، وإما أن يقدم استقالته. وقد تعرض منزله للقصف لاجباره على الاستقالة. وهكذا كان. استقال الحسيني، وتمت الدعوة إلى عقد مؤتمر جديد. لكن الدعوة كانت إنتقائية، وفق أبو علاء، إذ منع مؤيدو الحسيني من الحضور. وانتخب بري بديلاً له.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019