حين يقطّع شيخٌ جسدَ محمد "الكافر"

جنى الدهيبي

الثلاثاء 28/08/2018

هل سبق أن اختبر أحدكم عقاب شخص أولى نفسه مهمة الدفاع عن الذات الإلهية؟ نعم. لقد اختبر محمد الدهيبي هذا العقاب، حين رفع الحدّ عليه ثلاثة شيوخ مجرمين من العائلة نفسها. ماذا فعل محمد؟ تشارع مع أحد هؤلاء الشيوخ في السوبرماركت، وقال له: "حلّ عن ربّي". تضاربا. لم يحتمل الشيخ غيرته على الله والدين عند سماع "الكفر". دبّت فيه الشهامة. يا غيرة الدين. لكنه لم يرضَ السقوط أرضاً. بل أرادها معركة على الأرض يدافع فيها عن ربّ السماء.

اقترب الشيخ من محمد، ليرمي فتيل فتنته على رجلٍ ضخمٍ حوّله فريسةً دفاعاً عن الله. "تعرف أن هذه الكلمة التي قلتها تُعتبر كفراً؟"، سأل الشيخ الفاضل محمد، فأجابه: "ما دخلك انت إذا كانت كفراً أو لا"، وبدأ الإشكال.

لم يوجّه الشيخ نصيحة سمحة، تعيد "هذا الكافر الضال" إلى إسلامه. أصرّ على الجهاد في سبيل الله بجسد محمد. لجأ لشقيقيّه، الشيخين أيضاً. أخبرهما عن زلّة لسان محمد. كفر؟! يا للهول. استنفر الأخوة الشيوخ، حشدوا أعصابهم، لتفريغ ما في أجسادهم من طاقة عنيفة. هل هي رغبة في القتل؟ أكثر من ذلك. إنّها النشوة. نشوة الجلاد، حين يقطّع جسد ضحيته، يطعنها بالساطور والسكين، ويشهد على اقتلاع روحه. نعم، وهنا، لم يعد الدفاع عن الله هدفاً. إنّما الهدف أن يصل الجلاد للحظة الانتشاء بهدر دم فريسته. وقد وصل الشيوخ الثلاثة إلى هذه اللحظة، وتركوا لطفلي محمد عمراً طويلاً من الحرمان.

هذه الواقعة، حدثت في المنية، مسقط رأس الضحية والجناة، مساء السبت في 25 آب 2018. لكنها حتّى الآن، تُخبئ ناراً تحت الرماد. لقد "نزلت كالصاعقة علينا"، يقول أحد أقرباء محمد (44 عاماً) لـ"المدن". الضحية والجناة من العائلة نفسها، رغم عدم صلتهم ببعضهم، وهنا كانت الكارثة. من جهة، يعيش أبناء المنية حالةً من نكران ما اقترفه الشيوخ باسم الدين، ومن جهة أخرى، لم يتقبلوا بعد المصير الذي لقيَ فيه محمد حتّفه. فـ"هذه البلدة، التي يعرف فيها أهلها بالطيبين، لم يكن نهج داعش يوماً ديناً لهم، هو نهج ما فعله الشيوخ، ويمثلهم وحدهم".

ورغم تعدد الروايات، بين واحدةٍ تفيد بأنّ محمد "أعدم" على يد الشيوخ الذين جنّدوا أنفسهم دفاعاً عن الذات الإلهية، وأخرى تشير إلى أنّ محمد هو من بادر بشتم الشيخ، وتضارب معه ومع أخوته قبل قتله. إلى ذلك، أشار بيان قوى الأمن الداخلي إلى أن الجريمة وقعت على خلفية قيام محمد بإهانة الشيخ خ.د. وشتم العزّة الإليهية، قبل أن يتطور لاحقاً إلى تلاسن وتضارب بالإيدي والسكاكين مع شقيقيه الشيخين ع.د. وع.د. تبقى كلمة الفصل للقضاء.

ووفق معلومات لـ"المدن"، فإن والد الجناة وشقيقين آخرين لهم، جرى استدعاؤهم إلى التحقيق، بعدما انتشرت شائعات عن تحريض الوالد أولاده من أجل قتل محمد. وفيما التحقيق لا يزال جارياً لإمساك خيوط الجريمة، ارتفعت في البلدة أصوات تطالب بإنزال أشدّ قصاص على الجناة، كي يكونوا عبرةً لغيرهم، ودرءاً لفتنةً قد تشتعل ضمن العائلة الواحدة.

في الواقع، تحولت قضيّة محمد إلى قضية رأي عام في لبنان كلّه، أثارت غضباً عارماً ورفضاً لمشهدية الجريمة ودوافعها. فأيّاً تكن طريقة قتل محمد، لكنّ السبب كان نفسه: الدفاع عن الله. أمّا السؤال يبقى: هل ستبقى حدود التحقيق في كشف ملابسات الجريمة؟ ماذا عن الجريمة الأكبر، وهي بخلايا داعشية لا تزال رواسبها في أذهان كثيرين قد تنفجر في أيّ لحظة؟

حتّما لا جواب، طالما أنّ الدولة، والمؤسسات الدينية نفسها، لم يتحرك لهما ساكن عن فظاعة ما نعيشه ونختبره هنا، في لبنان.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2018