زين العمر كحالة محرجة للباسيلية

جهاد بزي

الثلاثاء 09/07/2019

زين العمر مهرجان تسلية. المغني الذي من المستحيل أن نتذكر اسم أغنية له، له حيز في فضاء الناس، غالبا ما يرتبط، لسوء حظه، بدفعهم إلى الضحك.

ليس أن زين العمر مهضوم. على العكس، فإن أكثر ما يثير الضحك فيه هو انتفاء الخفة من دمه. زين ضحل بطريقة مثيرة للإعجاب. والضحل لا يجيد تركيب جملة ذكية واحدة، لكنه يظن أن كل ما يقوله جديد ومبتكر. وبينما زين يأخذ نفسه على محمل الجد، يتفادى النضج باحتراف حصان يقفز فوق العوائق، وينجح بالتالي في البقاء مراهقا وهو على أبواب الخمسين. وزين،  يحرج، أكثر ما يحرج، الحالة الباسيلية التي يلتصق بها ويكاد يكون الناطق الرسمي باسمها، فكراً وسياسةً.

وزين انفعالي. ما في قلبه على لسانه وعلى تويتر في آن معا. هكذا، من دون فلتر. نعرفه ابن الحي الذي يحب الحي كثيرا، ويظل رأسه يقفز فوق كتف الزعيم ليعيد تدوير الكلام الذي قيل للتو، بمبالغة في التعبير تبدل من سحنته، إذ تنتفخ أوداجه وينفتح فمه واسعا وتتغضن ملامحه. مبالغة لا تلغي حقيقة أن ما يقوله تافه، لكنها تقلب الدراما إلى مهزلة. مسلسل لبناني أحلى ما فيه رداءته. وشكل انفعال زين لا يتلاءم مع المضمون الهراء الذي يتفوه فيه. هذا الاختلال في التوازن بين الشكل والمضمون هو بالتحديد تعريف الفكاهة. وزين فكاهي محترف لأنه لا يقصد ذلك.

هكذا تمضي أيامنا مع زين، نضحك إذ يشبه لبنان بالكون، أو يعلن حبه للبنان ببطولة المهدد بالقتل إذا أشهر هذا السر الخطير. وزين ينام على حب الجيش والعلم والنشيد ويقوم من نومه مذعوراً من كابوس ما فيصرخ الحمد لله أنا عوني. إذا غنى للجيش ارتدى بدلة مرقطة وحمل علما وجثى على ركبة واحد وبدت عليه كل عوارض المصاب بذبحة. وإذا مدح رئيس الجمهورية فمن تحت حزام فخامته حتى أربطة حذائه.

هامش مديح ضيق يناور فيه زين، هو نفسه هامش المفردات حين يغضب. واطي وبلا شرف وخلافه من الشتائم التي يلحقها دوما بموقفه المحفوظ بإن لبنان بعد الله وأنه لا يركع إلا للبنان.

جميع اللبنانيين لبنانيون طبعا. لكن زين والباسيليين، لبنانيون بقيمة مضافة. ولدوا بحاسة سادسة تسمح لهم بأن يروا لبنان آخر أعظم بكثير من هذا الذي بين أيدينا، لا نعرف كيف نداويه، وتجعلهم يستشعرون وحدهم مخاطر كبرى مثل اللاجئين والعمال السوريين وانتقال مسلم للعيش في منطقة مسيحية. هم على الأرجح نسخة تطورت داروينيا أسرع من أبناء جنسيتها، وزرع في جيناتها الحب غير المشروط للبنان ونشيده. ومع الحب زرع الغضب الساطع ضد من لا يحترم النشيد، الذي - للمناسبة - حظه أوفر عند اللبنانيين من أغاني زين العمر، فهم على الأقل يحفظون مطلعه.

معضلة العونيين هي أن جينات زين أخذت منحى خاصا في التطور لفتت الأنظار إليه وجعلت حالته الخرقاء محرجة جدا. فهو، إذ يعيد تدوير الخطاب على طريقته، يجرده من أي تذاك ممكن، فينزع عنه أسباب الملل، ويكشف خواءه وضحالته وبدائيته وتبجحه الخالي من أي معنى، حتى يكاد زين يكون المعنى الوحيد، الكوميدي، في هذا الخطاب الجيني الصاعد.

لن يركع زين العمر، ولن يتراجع. معه الله ولبنان وشجر الأرز والبقية الباقية من قاموس يبدأ وينتهي في صفحة واحدة. ونحن أيضا معه. عسى ألا يروض العونيون هذا الحصان اللبناني الأصيل، فنخسر المرح. زين العمر وفيٌ بإحراجهم وفاءه للكليشيهات بأنواعها كافة. لا يتعب ولا يلين في منحنا الفرص. آخرها هذه الفرصة المجانية بالمقارنة بين زمن أنتج زياد الرحباني ومارسيل خليفة، وبين زمن الباسيلية الذي انتج مغنيا لا أغاني له.

هذه الحالة الفريدة، حرام بحقنا وحق لبنان أن تصمت عن الكلام المباح.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019