ما بعد انتخابات المهندسين

حسان الزين

الإثنين 10/04/2017

منذ ولادة الجمهورية اللبنانية، وقبل ذلك، يحتكر الحياة السياسيّة، والنظام عموماً، عدد من الزعماء. يسيطرون بوكالات خارجية على الدولة ويُسخّر لهم المجتمع والاقتصاد.

مقابل هذه الاحتكارات الكبيرة، ولدت في السبعينيّات من القرن الماضي، بعد تجربة الرئيس فؤاد شهاب في بناء الدولة وعلى إيقاع وصول "الثورة" الفلسطينيّة إلى لبنان، تعبيرات سياسيّة وأيديولوجيّة. وقد نسخت تلك التعبيرات خطابات ثوريّة أممية وقوميّة لم تخلُ، بما في ذلك اليمينيّة اللبنانيّة، من البعد الطبقي ضد تلك الاحتكارات وآليّاتها وسيطراتها. وفيما نازلت تلك التعبيرات الاحتكارات في الشارع، وفي الجامعة والمدرسة، لم تتوانَ عن الانحياز إلى العنف والانخراط فيه، مقابل عنف الاحتكارات وأدواتها، بهدف كسر الاحتكارات يساراً، وبهدف الدفاع عن "الكيان"، بما فيه الاحتكارات يميناً. واندلعت الحرب، لهذه الأسباب وغيرها. وتتفاوت المسؤوليّات.

اليوم، تنطلق في البلد حيويّات اجتماعية وسياسيّة ضد الاحتكارات. فمقابل مبالغة الاحتكارات في السيطرة على الدولة والاقتصاد والمجتمع، ومقابل إغلاقها الحلقة على نفسها وسدها الطرق أمام المواطنين، تجد تلك الحيويّات نفسها في منازلات- مواجهات بالمفرّق مع الاحتكارات. وقد بدأت تلك الحيويّات تلتقي مع تململات في أحزاب الاحتكارات.

فالتيّار الذي ينشأ اليوم مبادرات خاصة، تعاونيّات صغيرة، في وجه الاحتكارات. وتدرك تلك المبادرات طرقها للتواصل والتفاعل. ولهذا أسباب تتعلّق بالنظام وحراكات الطبقات، وبالواقع السياسي. ففيما لا "تملك" الاحتكارات، زعامات وأحزاباً، المواطنين كافة، لا "يملك" المواطنون أحزاباً وآليّات سياسيّة جاهزة. هم يخترعون الآن، في المنازلات والميدان والمناسبات، آليّاتهم وأدواتهم. يرتجلون المواجهات وينظّمون أنفسهم ويفتتحون عصراً جديداً من التغيير، ومن بناء الأدوات السياسية والخطابات.

وفيما لا يبدو غريباً أن تجد تلك الحيويّات طريقاً للتعبير عن نفسها في أوساط الطبقات الوسطى ومؤسساتها، ما يدعو إلى التفاؤل هو بداية تجاوز تلك الحيويّات الخطابات السياسيّة السائدة التي تستفيد منها الاحتكارات وتغطي بها سيطرتها وقبضها على الخدمات والمنافع. فالجميل هو أن مواجهات الحيويات الاحتكارات، إضافة إلى أنها ترهق الاحتكارات وأحزابها وتفضح هشاشاتها وهشاشات تحالفاتها الظرفية وتضخيمها أحجامها والادعاء بأنها قدر لا مفر منه، لا تنطلق من أيديولوجيّات ولا تحمل صبغة أيديولوجيّة محددة. بل هي متنوّعة وتنطلق من رفض سيطرة الاحتكارات على كل شي وتعطيل المجتمع ومؤسساته وإفسادهما في سبيل تجديد السيطرة وإيجاد مصادر دخل للاحتكارات وزبائنها. وهذا ليس قليلاً. والأجمل منه أنه يعيد بناء الحياة السياسيّة من تحت.

ازاء ذلك، تنهمك الاحتكارات في صوغ قانون انتخابي. وفيما يبدو أنها تسعى لتفصيله على مقاساتها، لا يمكن تجاهل أن ما يحدد تلك المقاسات وترجماتها في النظام والدولة والحياة السياسية والمؤسسات الديمقراطية هو الظروف والمعادلات الإقليمية الدولية. وإذ يبدو أن ذلك سيكون على حساب المواطنين وخياراتهم وحيويّاتهم الناشئة، وعلى حساب التغيير، لا بد من المبادرة، لاسيما بعد نتائج نقابة المهندسين في بيروت، إلى الضغط على الاحتكارات بهدف إنتاج قانون انتخابي ديمقراطي. فمعركة القانون أولاً، ومن دونها ستبقى المعارك هامشيّة واحتجاجيّة لا ترقى إلى مستوى الفعل الاعتراضي المطلوب للتغيير.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2021