تدويل لبنان: هل يقلب الأميركيون الطاولة على الجميع؟

نبيل الخوري

الخميس 18/04/2019
اعتاد اللبنانيون على التعايش مع فكرة التدويل منذ عام 1978. رداً على الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان آنذاك، تحركت الأمم المتحدة وأرسلت قبعاتها الزرق (قوات اليونيفيل) في مهمة حفظ سلام لا تزال مستمرة حتى اليوم، وبصيغة معززة بموجب القرار 1701، الذي أقره مجلس الأمن في نهاية حرب تموز 2006.

تدويل سياسي
التدويل عام 1978، أتى في ظل الفوضى الأمنية اللبنانية والفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي، بما يشكلان من تهديد لوجود الدولة كدولة في لبنان، كونهما ينتهكان سيادتها، وسلامة ووحدة أرضها، ويمنعانها من ممارسة سلطتها على كامل هذه الأرض. لكن  التدويل لا ينحصر بمسألة جنوب لبنان، بل يشمل الوضع السياسي الداخلي، مع صدور القرار 1559 عن مجلس الأمن في أيلول 2004. وأحد أهدافه كان خروج القوات السورية من لبنان. هدف آخر له يتمثّل في نزع سلاح الميليشيات. المقصود هنا سلاح حزب الله. بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق، رفيق الحريري، اتخذ التدويل بُعداً قضائياً، مع إطلاق لجنة التحقيق الدولية، ثم مع تأسيس محكمة دولية لمحاكمة الفاعلين. إضافةً إلى كل ذلك، إدارة شؤون اللاجئين الفلسطينيين والسوريين في لبنان، برعاية أممية.

الانتقاص من السيادة
حين تتعرض أي دولة لتهديد كهذا، يأتي التدويل ليساهم في تكريس بقائها على قيد الحياة. ويكون الهدف الأقصى منه مساعدة هذه الدولة على التخلص من هذا التهديد نهائياً. وإذا استحال ذلك، يتم الاكتفاء بالهدف الأدنى الذي يتمثل في تمكين الدولة، مهما كثرت نقاط ضعفها، من الاستمرار ومن تحقيق التوازن مع الفوضى أو مع الاحتلال، أي مع العوامل التي تنتقص من دورها ووظيفتها وتهدد وجودها. بمعنى آخر، قد لا يؤدي التدويل إلى وضع حدّ لمحنة الدولة. لكنه يفرض معادلة تستمد منها ما يكفي من القوة للصمود بانتظار تبدّل الظروف، مع أن التدويل ينطوي على مفارقة، لأنه يعكس بحد ذاته شكلاً من أشكال التفريط بالسيادة، في الوقت الذي يوفّر فيه مظلة حماية للدولة المعنية، كما هو حال الواقع اللبناني.

كل ما حققته هذه المعادلة حتى اليوم، سواء مع الاحتلال الإسرائيلي أو السوري، أو مع كل صِيَغ "الدولة داخل الدولة" في لبنان، هو التوازن. أي تبقى الدولة منقوصة السيادة لكن التدويل يفترض وجودها، ويكرس نظرياً كل عناصر هذا الوجود. التوازن يتحقق من خلال دعم منظمة الأمم المتحدة لها، وذلك بانتظار حل المشاكل التي تمنع عودتها إلى وضعها الطبيعي كدولة كاملة السيادة.

التعايش مع حزب الله
في ما يتعلق بحزب الله، اكتفت الولايات المتحدة الأميركية إلى حدٍ ما، حتى الأمس القريب، بمعادلة التوازن التي يفرضها تدويل المسألة اللبنانية. أما حزب الله، المدعوم من إيران، فقد تعايش مع هذه المعادلة وقبل بشروطها. الحصيلة تشير إلى أن تصرفه هذا صب في مصلحته، لأنه تمكّن حتى الآن من تكريس تفوّقه السياسي على الساحة اللبنانية. وبدأ تدريجياً يوظّف هذا التفوّق داخل ما تبقى من الدولة، التي يُراد من التدويل الحفاظ عليها وتأمين مظلة حماية أساسية لها. فغدا حزب الله صانعاً رئيساً ومباشراً للقرار فيها، عدا عن كونه يتمتع بكيان داخلي مستقل عنها. لعل هذا التحول، الذي تكرس مع الانتخابات النيابية عام 2018، وما نتج عنها من تحكم لحزب الله بتشكيل الحكومة، هو العامل الذي أثار غضب الإدارة الأميركية التي بدأت، على ما يبدو، ترى أن التدويل وحده لم يعد كافياً بوجه تزايد نفوذ حزب الله ودوره في لبنان. فكان خيارها باللجوء إلى عقوبات مالية، أحادية الجانب، تطال مباشرةً حزب الله، بعدما كانت تكتفي باستهداف عرّابته إيران. فهل تؤسس العقوبات الأميركية بموازاة التدويل، لمرحلة ما بعد تفوق حزب الله؟

هذا الهجوم الأميركي جديد من نوعه، وغير مجرب لبنانياً. يهدف إلى إضعاف الحزب مالياً واقتصادياً، كمقدمة لانتزاع تنازلات سياسية (رفع هيمنته عن الدولة) وعسكرية (نزع سلاحه) منه. لا يزال من المبكر الحديث عن مرحلة التنازلات. لكن تتعدد السيناريوهات المحتملة بشأنها.

التنسيق مع إسرائيل
يمكن للعقوبات الأميركية أن تكون واحدة من سلسلة خطوات منسقة مع الإسرائيليين، على قاعدة تقاسم المهمات. تتولى واشنطن خنق الحزب اقتصادياً، ثم تشن إسرائيل حرباً مدمرة لمحاولة القضاء عليه. لكن في المقابل، يمكن للعقوبات أن تعني دخول واشنطن بشكل مباشر على خط المسألة اللبنانية، وما يفرضه ذلك من تراجع لدور إسرائيل، وربما شبه إقصاء لها عن إدارة هذا الملف، ما يعني أن الحرب خيار مستبعد. في الحالة الأولى، تصح التكهنات حول أن استقرار لبنان لم يعد أولوية أميركية من الآن فصاعداً. في الحالة الثانية، لن يكون الاستقرار الأمني على المحك، لا سيما أن اهتمام واشنطن بتفعيل دورها في لبنان يتزايد في الآونة الأخيرة، وإلا كيف يمكن تفسير دعمها المستمر للجيش اللبناني، وتهافت موفديها وبناء سفارتها بأكلاف تتعدى المليار دولار؟ لكن الوضع السياسي والاقتصادي اللبناني سيكون مرهوناً بالمدى الذي سيصل إليه الهجوم الأميركي. هل ستكتفي واشنطن بعقوبات مدوزنة بشكل لا تؤذي سوى حزب الله؟ أم أنها ستبدأ بتوسيع دائرتها لتطال، كما يُشاع، أوساط حركة أمل ورئيس مجلس النواب، نبيه بري، وربما أيضاً أوساط رئيس الجمهورية ميشال عون، وصولاً إلى مؤسسات رسمية، كالمرفأ والمطار.. وما يتمخض عن ذلك من أذى للدولة اللبنانية ككل؟

مواجهة لامتكافئة
سواء استهدفت العقوبات الأميركية حزب الله وحده، أو شملت معه بقايا الدولة التي كانت ولا تزال محمية بواسطة التدويل، لا يستطيع الحزب إنكار حجم الأزمة الناتجة عن العقوبات. صحيح أنه من المبكر الآن حسم خياراته بشأن مواجهة هذه الأزمة، لكن طبيعتها تختلف عن أزمات سابقة تعرض لها الحزب. في الحروب مع إسرائيل، نجح "الحزب" في فرض التوازن. وأدار بمهارة جميع الأزمات السياسية والأمنية التي عاشها في الداخل اللبناني، وخرج منها بتسويات لم يقدّم فيها أي تنازلات فعلية لصالح خصومه، لا بل فرض تفوقه السياسي على الساحة اللبنانية. أما الأزمة ذات البعد الاقتصادي، التي تتسبب بها العقوبات الأميركية، تتعلق بمجال ليس له اليد الطولى فيه. سيخوض مواجهة غير متكافئة، في ظل إمكانات واشنطن الاقتصادية الهائلة. وأي خيار، ساذج، أو غير مدروس، أو غير عقلاني، سيؤثر ليس فقط على الحزب بل على ما تبقى من الدولة وعلى المجتمع اللبناني بأكمله. لعل واشنطن تنوي قلب الطاولة على الجميع، وتخطط بكل دقة لإيصال الحزب ولبنان إلى هذا المأزق، مفترضةً أن الخروج منه سيكون على حساب التفوق السياسي لحزب الله، وبطبيعة الحال على حساب دوره الإقليمي.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019