قبل أن "يخطب" نصرالله

يوسف بزي

الخميس 13/08/2020

لو افترضنا أن كل الاتهامات الموجهة لحزب الله في كارثة بيروت مجرد "نظرية مؤامرة"، ولو افترضنا أن تحميله مسؤولية الخراب الذي أصاب العاصمة ومسؤولية الانهيار الاقتصادي ومسؤولية تحلل الدولة واهترائها ومسؤولية تعطيل الحياة السياسية وحماية المنظومة الفاسدة، ومسؤولية إحباط ثورة 17 تشرين وقمعها، ومسؤولية استباحة الحدود والتهريب، ومسؤولية أزمة الدولار، ومسؤولية العقوبات المعلنة وغير المعلنة، ومسؤولية عزل لبنان ومحاصرته وتجويعه.. لو اعتبرنا كل ذلك "ظلماً" وتجنّياً، وافتراءً لا أساس له من الصحة، و"دعاية صهيونية" وأكاذيب إعلام مأجور، وتضليلاً منظماً من ألسنة حاقدة، إلا أن إضبارة هكذا اتهامات (وهي أكثر من ذلك حتماً) يتبناها شطر راجح من اللبنانيين والغالبية العظمى من الدول العربية والأجنبية، ويعتقدها رأي عام في مختلف أنحاء العالم والمنطقة.

ذلك يفترض بحسن نصرالله وحزبه، واقعياً وسياسياً وأخلاقياً، أن يتساءلا ويراجعا أداءهما تحت وطأة "لماذا تتلبسنا هذه الاتهامات؟ ولماذا تبدو مقنعة لمعظم الناس الأسوياء؟ ما أوجه التقصير في إثبات براءتنا؟". لا يكفي القول كل مرة أن العدو هو المسؤول، أن أميركا هي السبب، أن إسرائيل هي الأصل. بكلام آخر، "حماية" البلد التي يتوكلها حزب الله (بغض النظر عن شرعية هذه الوكالة)، تفترض – حسب أي عقيدة أمنية معتمدة في أي دولة - أن "يعرف ماذا يجري في مرفأ بيروت"، على الأقل، بالقدر ذاته لمعرفته بما يجري في مرفأ حيفا. والأَولى ربما ليس تفجير مرفأ حيفا بل منع تفجير مرفأ بيروت. هذه بداهة كلمة "حماية".

ثم أن من واجب الحزب وأمينه العام، أن يفكرا جدياً بما يشبه السؤال الأميركي الشهير بعد 11 أيلول: "لماذا يكروهننا". فلا يمكن التهرب من حقيقة أن قسماً متعاظماً ومتزايداً من اللبنانيين (الذين "يحميهم" حزب الله بالذات) يكرهون الحزب وأمينه العام (ومعظمهم كانوا يكرهون إسرائيل، لا "المقاومة"). بل والأخطر، أن هذه الكراهية تطال على نحو مشؤوم الشيعة اللبنانيين، الذين باتوا يشعرون أنهم محاطون بالضغينة من الجماعات الأخرى، فيندفعون بغريزة الدفاع عن النفس إلى الاعتصام أكثر بعصبية الطائفة وعقيدة الاستقواء بالسلاح. وهذا تلقائياً يطيح يومياً بأسس "العيش المشترك". فعلاقات من هذا النوع بين اللبنانيين أشبه بحرب أهلية أشد فتكاً من تلك التي خاضتها ميليشيات السبعينات والثمانينات، وقد لا يبقى إثرها بلد لـ"تحميه مقاومة"، ولا ضرورة والحال هذه أن تتعب إسرائيل نفسها بجهد لتخريب لبنان. البقاء على هذا المنوال، لا يطمئن أحداً ولا الحزب ولا أمينه العام ولا يبشر بأي مستقبل على الإطلاق.

وإذا افترضنا أن حسن نصرالله وحزب الله متفقان مع سائر اللبنانيين على تعريف لبنان بلداً متنوعاً منفتحاً وحضارياً، وموطناً للثقافة والتعليم والحريات والحداثة وأرض تلاقٍ بين شرق وغرب وشمال وجنوب، ولا يحيا إلا بالتنوع... بل وإذا افترضنا أن هاجس إسرائيل هو تحطيم هذا الـ"لبنان"، فما على الحزب وزعيمه إلّا أن يتساءلا، ولو على سبيل التمرين الذهني: أيعقل أننا نفعل بلبنان ما يتمناه الإسرائيلي؟

هل سأل نصرالله معاونيه، مثلاً، "ما الذي تغير؟ فلو أن مشهد تمثيل شنقي في ساحة الشهداء، وسط بيروت، حدث قبل شهر، قبل الانفجار.. لكانت الضاحية كلها هبت مجتاحة بيروت، فلماذا، لم تنتفض الضاحية؟" بل ويجب أن يندهش أكثر. فهكذا مشهد كان مستحيلاً حتى في عز أيام التظاهرات المليونية لـ14 آذار. فما الذي طرأ؟

خلال أكثر من عشرة أشهر، طرح الحزب وأمينه العام، خيارات في التوجه شرقاً والزراعة كما في التعامل مع المصارف ومصرف لبنان وكذلك في تشكيل الحكومة ومحاربة الفساد وصندوق النقد الدولي والمعابر غير الشرعية (واللائحة طويلة). وكلها ذهبت في حفرة الفشل الأعمق من حفرة تفجير بيروت.

قد نسمح لحسان دياب مثلاً أن يقول "لقد أفشلوني". لكن ذلك لا يليق بحزب لا يعرف سوى حصد الانتصارات. فعلى الأقل، ووفق ذهنيته العسكرية والتنظيمية، يتوجب عليه طرح سؤال "لماذا فشلنا؟" أو "كيف سمحنا للأعداء أن يفشّلونا".

على أي حال، وقبل أن يخطب نصرالله، لم نعد ننتظر جواباً.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020