الحريري يطالب حزب الله بسيدر والنفط وترسيم الحدود

منير الربيع

الإثنين 18/11/2019

انطلاقاً من الجدل الدائر منذ أيام، بين تيار المستقبل والتيار الوطني الحرّ، حول من يتحمّل مسؤولية إحراق طبخة تسمية محمد الصفدي رئيساً للحكومة الجديدة، والذي حوّله الطرفان حقلاً للرماية المتبادلة، فإن الرئيس سعد الحريري وجمهوره يعتقدون أنه حقق إنجازاً كبيراً في إيقاع حزب الله بفخ الصفدي، وكانت مناورة ناجحة لإحراقه، ليبقى الحريري هو الخيار الأوحد والأقوى لرئاسة الحكومة. كما يظنون أن الحريري أثبت أن لا إمكانية لحزب الله وميشال عون اختيار أي سنّي غيره لرئاسة الحكومة. وهذه نقطة قوته التي يتمسك بها، على أساس أن حزب الله وحركة أمل ورئيس الجمهورية لا يريدون أحداً سواه.

ما بعد الصفدي
لنفترض أن هذا التقييم دقيق، وأثبت الحريري من خلاله براعة سياسية. لكنه من جهة ثانية أوقع نفسه في فخ آخر، نظراً للتعهدات التي قدّمها عند إعلانه قبوله ودعمه للصفدي بتشكيل الحكومة. فقد أعلن أنه سيسميه في الاستشارات، وسيمنح حكومته الثقة وسيجد طريقة ليتمثل بالحكومة. لكن حكومة الصفدي المفترضة كانت صفتها تكنوسياسية، وستتمثل فيها الأحزاب. والتمس الحريري أيضاً أن باسيل مصرّ على البقاء في الحكومة لا الخروج منها. والحريري وافق حينها على ذلك. أما بعد سقوط الصفدي، والاتجاه إلى إعادة البحث في تكليف الحريري، فبالتأكيد سيرفض حزب الله وحركة أمل ورئيس الجمهورية شروطه، وسيعيدونه إلى حيث وصل معهم في تفاهمه على دعم الصفدي. إذ لماذا يرضى المشاركة بحكومة الصفدي التكنوسياسية، وعندما يأتي هو لتشكيل حكومته يصرّ على حكومة تكنوقراط بلا ممثلي أحزاب؟ هذه نقطة سيستخدمها حزب الله في مفاوضاته مع الحريري.

طبعاً، كل هذه الحسابات السياسية، بعيدة كل البعد عن مطالب أغلبية اللبنانيين. ويكفي مراقبة حرب البيانات بين الحريري وباسيل وتسريباتهما، لندرك في أي انفصال عن المواطنين يعيشون.

نقطة الصفر
حالياً، يحاول الحريري التمرد على واقع تكرس منذ ثلاث سنوات، يتحمّل هو بنفسه العبء الأكبر من المسؤولية عنه. ونزعة التمرد هذه دفعت بعض خصومه إلى وصفه أنه: "دخل إلى التسوية رهينة لمصالح، وتنازل عن كل شيء مقابلها. وحاول الخروج منها ولم يستطع لأنه سيبقى فيها رهينة لفضائحه". هذا الكلام الاتهامي لشركاء الحريري في التسوية، يوحي بتهديد من قبلهم تجاهه. فإذا لم يرضخ لما يريدون، فسيضطرون إلى كشف ملفاته وصفقاته.

فيما عادت الأمور إلى نقطة الصفر، وستحتاج إلى وقت طويل للوصول إلى تفاهم، ستبرز شروط جديدة في المفاوضات وما يليها من اتفاقات. وحزب الله وحلفاؤه يتصرفون على أن الحريري يريد العودة إلى رئاسة الحكومة، تفادياً للأضرار الكثيرة التي ستصيبه. والحزب بدوره يتمسك بالحريري أيضاً لأسباب وعوامل متعددة. أولها، أن البلد دخل مرحلة الانهيار ولا بد للحريري أن يتحمل المسؤولية ويكون في الواجهة، لا أن يرمي الكرة في ملعبهم لتنفجر بهم وحدهم. وثانيها، الحاجة إلى الحريري نظراً لمشروعيته السنّية وعلاقاته الدولية، كي لا يقع البلد في عزلة تامة.

استعادة الملفات الأساسية
الجديد في ما جرى هو خروج الحريري عن صمته وتسمية الأمور بأسمائها. لكن العبرة تبقى في ثباته على هذا الموقف. فهو عملياً "بق بحصة" معاناته مع التيار الوطني الحرّ وممارساته وألاعيبه، أو "محاولاته الدائمة تسجيل النقاط" وفق ما وصفها بيان الحريري. وبمجرد الإعلان عن هذا الموقف يكون سياسياً ومنطقياً أنهى التسوية الرئاسية. أيضاً، العبرة تبقى بالممارسة، إذ ليست المرة الأولى التي يصل فيها الحريري إلى حدّ الاختناق والانفجار، ثم يعود أدراجه من حيث أتى تجديداً للتسوية.

بالنسبة إلى حزب الله، فإن المأزق أبعد بكثير من هذه التفاصيل التي يغرق فيها كل من باسيل والحريري. ويعتبر الحزب أن الحريري لا يهدف لاستعادة شعبيته فقط، يريد استعادة ملفات كثيرة، كانت مسحوبة من يده. يريد تشكيل حكومة قادرة على الانسجام معه، لا مع باسيل وثلثه المعطل، والحاكم بأمره فيها. حكومة تعمل على تطبيق مندرجات مؤتمر سيدر للحصول على المساعدات والقروض، بعيداً عن الحسابات السياسية ومحصورة بالاقتصاد، من دون أي عرقلة من الآخرين، أي باسيل تحديداً. والأهم، هو ما أعلنه الحريري خلال زيارته إلى الولايات المتحدة الأميركية قبل فترة، عن استعداده للإمساك بملف ترسيم الحدود والتنقيب عن النفط، وجوبه حينها بالرفض المطلق من قبل الرئيس نبيه بري وحزب الله، اللذين أكدا أن هذا الملف من مسؤولية رئيس مجلس النواب، رغم أن رئيس الحكومة توافق مع الأميركيين على أن يدير هو هذه المفاوضات، للوصول إلى حلّ.

عض الأصابع
هذه الشروط يعتبرها الحريري ضرورية له للعودة. وحصوله عليها سيمثل الخطوة الإنقاذية الحقيقية للوضع المالي والاقتصادي الآخذ بالانهيار، باعتبار أن الوعود الدولية لتقديم المساعدات المالية للبنان وإنعاش اقتصاده وسوقه المالي يرتبط بتطبيق هذه الشروط.

طبعاً يراهن الحريري على الوقت وحجم الضغط الذي تعانيه كل القوى، ليتمكن من استعادة زمام المبادرة والحصول على تنازلات بما خص شروطه، إنما حزب الله في هكذا حالات، معروف عنه أنه لا يتراجع ويتشبث أكثر ولا يقدّم أي تنازل، فوفق ما قال نصر الله سابقاً إنه الأقوى والقادر على الصمود أكثر من الجميع، وينظر إلى ما يجري بوصفه مؤامرة أميركية تريد أخذ منه سلماً ما عجزت عنه حرباً. ومن الشروط التي يفرضها الحزب على الحريري، أن ليس بإمكانه تكرار تجربة إقالة حكومته في 2011 عندما غادر لبنان، بل عليه أن يتحمل كامل مسؤولياته في تصريف الأعمال.

بالمجمل، الحسابات السياسة عالقة في زواريبها وأهل السلطة يخوضون حروب عض الأصابع، فيما اللبنانيون في مكان آخر يزداد بعداً، والانهيار يزداد عمقاً.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020