مأساة طرابلس: إياكم والاستثمار المذهبي

منير الربيع

الثلاثاء 04/06/2019

كان كل شيء يسير على ما يرام في طرابلس. لم تكن المدينة قد خرجت من حلّتها الرمضانية، هي الأكثر دفئاً وحياة في شهر الصيام. أحياؤها الحاضنة والمتواضعة، حجارة الحارات القديمة وأسواقها، فيها بعض من مآثر الشام. العروض المولوية التي تصدح بين تكاياها ومساجدها وساحاتها، تذكر باسطنبول، حنّو الأهل فيها يحتضن الغريب والعابر من ساحة التلّ إلى خان الحدادين والسوق العتيق وشارع الكنائس، الذي يكتنز مزيجاً عمرانياً بيزنطياً ومملوكياً وعثمانياً. في تلك الشوارع بعض من ثقافة الامبراطورية الآفلة وعلامات المتوسط والمعمار الكولونيالي..

سر "مبسوط"
ما أن بدأت المدينة ترتدي حلّة العيد، حتى ضربها سواد الحداد. عملية إرهابية عكّرت صفوها، وأفسدت بهجة ناسها. الموالد المولوية، استبدلت بقراءة العزاء. ثمة من يريد إطفاء أنوار الفيحاء وخنقها. لا يراها بغير الأسود الحادق، ويصرّ على نقل الحداد منها إلى كل لبنان. في البداية، كان خبر إطلاق النار أو رمي قنبلة صوتية على أحد المراكز الأمنية، كأنه خبر عادي، في مدينة أريد لأصوات الرصاص والقذائف فيها، أن تبقى فوق كل الأصوات.

سوداوية ما جرى، ذكّرت بعمليات كثيرة شهدتها المدينة، التي لطالما كانت ساحة لتبادل الرسائل المحلية والإقليمية. صوّرت المدينة بأنها معقل الإرهاب، قبل أن يجتاح المصطلح وسائل الإعلام ووسائط التواصل، وقبل أن يتخذ الإرهاب صفة فئة واحدة. وُسمت المدينة بالإرهاب منذ ثمانينيات القرن الفائت، في أعقاب لجوء قيادات منظمة التحرير الفلسطينية إليها بزعامة الرئيس الراحل ياسر عرفات، ثم بروز "حركة التوحيد". فاتخذ النظام السوري يومها ذريعة الإرهاب لمواجهة أبي عمّار وأبناء المدينة الرافضين للجيش السوري. وبعدها، استمرت الحملة على المدينة بأشرس المعارك التي خاضها النظام السوري ضد أبناء باب التبانة خصوصاً.

لم يكن مشهد ما جرى ليلة العيد في طرابلس، ظاهرياً، بعيداً عن ما شهدته قبيل أحداث نهر البارد بساعات، إذ بدأت المعارك في شارع أبو سمرا. وكانت يومها حكاية شاكر العبسي الذي اختفى واختفى سرّه معه. مصير عبد الرحمن مبسوط، مقتولاً أو منتحراً، يشبه إلى حدّ بعيد حالة العبسي. للمدينة حكايات كثيرة مع الاستهداف، سياسياً، اجتماعياً، أمنياً، عسكرياً، ثقافياً، بشرياً وتنموياً. إنها أفقر مدن المتوسط، والفقر هو الأرض الخصبة التي يمكن للإرهاب الاستثمار فيها والتنامي.

جروح طرابلس
قضايا المدينة العالقة كثيرة، أولها قضية الموقوفين الإسلاميين بلا محاكمة ولا أحكام، والذين وعدوا أكثر من مرّة بالعفو العام. جرح الاشتباكات بين باب التبانة وجبل محسن لم يندمل تماماً بعد، ولا حروب تصفية الحسابات بدماء أبناء المدينة انتهت. قدر طرابلس أن تستمر بالنزف، بلبنان وعنه. وقدرها أن تكون حكايتها سيئّة مع الأجهزة الأمنية التي استهدفت فيها أكثر من مرّة.

قبل أشهر، حدث إطلاق نار على أحد الحواجز الأمنية وقُتل أحد المواطنين بسبب مخالفته المرورية. وكان بالإمكان أن يكون خبر إطلاق النار بالأمس مشابهاً، لكن قدر عاصمة الشمال أن يحاولوا تشبيهها بقندهار أو الرقة. وربما كان يريد المبسوط أن يعمم نموذجه الإرهابي، ربما من رغبة فردية لديه، إلا أن الدوي جاء مع خبر أعلنته وكالة أعماق التابعة لتنظيم داعش الإرهابي، يتبنى فيه العملية. عندها أصبح بالإمكان الحديث عن نظرية المؤامرة التي تستهدف المدينة.

استهداف القوى الأمنية
كان عبد الرحمن مبسوط مقاتلاً في صفوف تنظيم داعش، عاد من سوريا إلى لبنان في العام 2017، وألقي القبض عليه وأودع في السجن ليخلى سبيله في العام 2018. التوقيت الذي اختاره مبسوط لتنفيذ عمليته يطرح الكثير من الأسئلة. ومع بيان تبنّي داعش لم يعد بالإمكان الحديث عن صدفة تقف خلف تنقّله على دراجة نارية، من ساحة التل باتجاه شارع عزمي والميناء، وإطلاق النار على حواجز لقوى الأمن والجيش اللبناني. توقيت العملية وشكلها على الرغم من بديهيته أو بساطته، إلا أنه يتطابق مع بعض التقديرات الأمنية التي تجمّعت لدى الأجهزة، حول احتمال قيام هكذا تنظيمات بهذا النوع من العمليات. لا يمكن الجزم بالأسباب التي دفعت مبسوط للقيام بما اقترفه. لكن العملية تأتي على بعد ساعات من اعتصام لأهالي الموقوفين الإسلاميين المطالبين بالعفو العام. ما سيؤدي حتماً إلى تأجيل هذا الملف حالياً.

تتزامن العملية مع توترات سياسية محلية وإقليمية. وقد يكون ثمة من أراد استهداف المدينة وأمن أهاليها، لتسليط الضوء اتهاماً على المدينة وما توصم به، بوصفها حاضنة للإرهاب الواجب مواجهته. وتحييد الأنظار عن ما عداها. لا شيء بالصدفة في لبنان، خصوصاً أن الأمن هو سياسي أولاً، وتحرّك الخلايا لا ينبع من اجتهادات فردية. قراءة خلفيات ما جرى ستكون بالغة التعقيد، من استهداف الأجهزة الأمنية، بالإرهاب تارة، وبمقومات معيشتهم تارة أخرى، في ضوء الحديث عن تخفيض رواتبهم أو مخصصاتهم، فيما المال لا يكفي للتعويض عن التضحية بأرواحهم. أما في السياسة، فالصراع مفتوح على أوسع أبوابه، ومجالات الاستثمار أوسع، سياسياً ومذهبياً.

السجال التافه
وخير دليل هنا على "الاستثمار" والانتهاز، تعمّد بعض نواب ومسؤولي التيار الوطني الحرّ، والصور التي نشروها بقصد شن حملة على اللواء أشرف ريفي، بالإضافة الى الدخول في سجال أقل ما يقال فيه إنه تافه، لا يرقى الى مستوى المصاب الأليم، يضع القضية في سياقات سياسية مختلفة، تندرج فيها رغبة تصفية الحسابات وتسجيل النقاط، أو تهدف لابتزاز جديد في ملفات متشعبة مستقبلاً. ومن يخرج ليعلن أن رئيس الحكومة تعنيه قوى الأمن أكثر من الجيش، ويعلن عن إجراء تحقيق لمعرفة كيفية توقيف المبسوط ومن ثم اطلاق سراحه، بالإضافة إلى الحملة على موقف وزيرة الداخلية ريا الحسن ومدير عام قوى الأمن الداخلي عماد عثمان إثر زيارتهما لطرابلس، يخرج القضية عن سياقها ويدخلها في زواريب مختلفة. وربما التحقيق بكيفية إخراج المبسوط واجب، لكن الواجب أكثر أن يسير بالتزامن مع تحقيق بمن تدخّل لدى القضاء لتبرئة مفبركي ملفات عمالة، خصوصاً أن فبركة ملفات بشكل ظالم قد يؤدي الى نتائج مماثلة للنتيجة التي وصل إليها الأمر مع المبسوط.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019