جنبلاطية الأصل.. البشيرية الطارئة

أحمد جابر

الجمعة 05/07/2019

من التاريخ:
من دون العودة إلى نسب آل جنبلاط، ومن دون الرجوع إلى بلد المنشأ، ومن ثم التذكير بالدروب التي قادت آل جنبلاط إلى "لبنان الصغير"، يكفي التذكير بالجنبلاطية السياسية، ما كان منها كيانياً مع بشير جنبلاط، عمود السماء، وما تجدد منها مع " المعلم" كمال جنبلاط، وما يعيش منها في المشهد السياسي اليوم مع وليد جنبلاط.

التذكير بجنبلاطية المنشأ النسبي والمسار السياسي، يستحضر التذكير بالبشيرية التي بدأت مع الأمير بشير الشهابي، وبالبشيرية التي حاول بعثها من رماد التاريخ الرئيس اللبناني الراحل بشير الجميل.

مضمون التذكير واحد: الصراع على جبل لبنان، وعلى السيطرة عليه، بواسطة السلاح الأهلي الطائفي المحلي، وبسلاح التبعية للخارج وطلب الدعم منه.

في هذا المشهد الصراعي، لم يغب عن البشيرين السالفين حلم توسيع ولاية جبل لبنان بعد استحواذ السيطرة على "المركز الجبلي"، ولم يفتهما أن تحويل طلب السيطرة والتمدد إلى واقع عياني يلزمه دائما دعم "الباب العالي" العثماني حيناً، والبونابرتي حيناً آخر، والمصري عندما تدعو الحاجة، على غرار ما حصل في عهد محمد علي باشا الكبير.. كان لكل دعم ثمنه في أوقات ازدهاره، وكان له ثمنه أيضاً في أيام أفوله، وللأيام هذه صفحات ذكرها التاريخ، وأشار إلى كلفتها الطائفية بين المتخاصمين، وإلى الأعباء التي رتبتها على العموم تلبية لطلبات كل باب عالي خارجي.

من تاريخ كمال جنبلاط:
استأنف المركز اللبناني صراعه مع كمال جنبلاط الذي ورث "العصبية" الجنبلاطية الأصلية، لكنه عمل على تطعيمها بما يخالف جوانب من بنيتها التكوينية المذهبية، وبما يتجاوز عدداً من عناصر تعريفها الجغرافي الذي يجعلها منعزلة في رقعة جغرافية محددة.

لقد حقق كمال جنبلاط "المعلم" نجاحاً في بعض ما سعى إليه من خلال مد بصره الفكري إلى لبنانية أرحب، وإلى فضاء عروبة أعمق حرية، وإلى عالمية إنسانية أكثر مساواة وإنسانية.

من موقعه هذا، خاض كمال جنبلاط معركته "الجبلية" بالانخراط في الصراع الاجتماعي ضمن صفوف الحركة الشعبية اللبنانية الصاعدة، وكان له تولي قيادتها في زمن الحرب الأهلية المدمرة، ثم جاء من وضع حداً للمسيرة الجنيلاطية بالقتل الجسدي، بعد أن مهد ورثة" البشيرية" المنصرمة لهذه الجريمة، من خلال النظام الطائفي الذي صد محاولات إصلاحه، ورأى في الفوز الجنبلاطي بالإصلاح تعديلاً تاريخياً لتوزع الهيمنة الطائفية الموروثة.

وعلى غرار السلف البشيري، استعان نظام البشيرية الوارث بالخارج العربي، فكان له الدعم السوري " الشقيق"، ثم مد يده إلى الخارج الصهيوني، فكانت له مؤازرة الاحتلال الذي حمل البشيريين السياسيين الجدد إلى موقع رئاسة الجمهورية اللبنانية.

مرة أخرى، وفي تاريخ معاصر، دفعت المسيحية السياسية والدرزية السياسية كلفة محاولات الاستئثار بالقرار اللبناني الشامل. أما الجديد فكان تحميل اللبنانيين كافة وزر الخراب الذي كان النظام الطائفي المعاق تاريخياً وسياسياً مبادراً إليه، بعد أن بات هذا النظام حاكماً لما صار "لبنان الكبير"، أي الرقعة الجغرافية الأوسع التي لم يستطع حكامها تحويلها إلى مساحة أوسع في الاجتماع والمواطنة والانتماء..

من سيرة وليد جنبلاط:
فاجأت الأحداث وليد جنبلاط بغياب والده غير" المتوقع"، وكان لزاماً عليه حمل الإرث الثقيل الذي لم يكن معداً له. خاض وليد جنبلاط غمار مرحلة انتقالية على رأس قيادة الحركة الوطنية، التي كانت قد أسلست زمام القيادة للمعلم كمال جنبلاط، ووجد السياسي الجديد من يقدم له الدعم اللازم في مسيرته الصعبة الجديدة، من جمهوره الخاص، ومن رفاق والده في قيادة الحركة الوطنية، ومن المدى العربي والدولي الذي كان صديقا للجنبلاطية "الراحلة".

الزمن الانتقالي راكم جنبلاطية جديدة تكيفت مع معطيات ما بعد الجنبلاطية الأصلية، وقد كان للتراكم هذا أن يحدث انقطاعا نوعيا مع جوانب مهماً مع كمال جنبلاط الشعبي، وكمال جنبلاط المتقدم على النظام اللبناني، اعتراضاً وإصلاحاً، من ضمنه وفي مواجهته. في مقابل الانقطاع عن الجنبلاطية" التقدمية" كان وليد جنبلاط وريثا أكثر قرباً من بشير جنبلاط، فلم يكن صعبا تبين خيوط اتصال مع البيئة البشيرية الأصلية المستندة إلى عصبيتها التكوينية المذهبية أولاً، والمدافعة عن حقوقها أولاً، والمستفيدة من درس المارونية السياسية الذي يقضي بالاستعانة بالخارج في مواجهة الخصوم المحليين..

لقد صعدت جنبلاطية وليد جنبلاط بالتحالف مع مذهبيات داخلية، وتعاظم وزنها بالتحالف مع "سوريا العربية الشقيقة"، وظلت الفلسطينية بياناً عاماً يدلى به عند الحاجة، وعندما تستدعي الظروف الداخلية والمحيطة ذلك.. تلك كانت محطات من تكيف الجنبلاطية "الوليدية" حيث بات من الصعب أحياناً، تبين وجه كمال جنبلاط، أو قراءة بعضاً من وجهته السياسية.

كان التحول الأعمق ذاك الذي حصل بعد الاحتلال الصهيوني عام 1982، وما حمله من اختلال في ميزان القوى الداخلي، وما استشعرته الفئويات اللبنانية من خطر تبدل تراتبيتها في ترسيمة النظام الرسمية.

حرب الجبل أطلقت شرارة التكيف الجنبلاطي الجديد. كان ذلك رداً على بشيرية بشير الجميل الذي سعى إلى إحياء وتجديد هيمنة بشير الشهابي، انطلاقاً من الجبل، وفي مواجهة سائر خصوم الداخل السياسيين.

لم يقيض لبشير الجميل "الأصلي" استكمال مشروعه، فسقط مقتولاً على عتبته، وكان للورثة خطأ وخطيئة المضي على درب المسعى ذاته في الهيمنة.

واقعياً، حاول وليد جنبلاط تفادي الحرب، ورفع مطلب دخول الجيش إلى الجبل، لكنه لم يجد آذانا صاغية من قبل أركان الحكم الجديد، وجاء الرد على شكل انتشار واسع" للقوات اللبنانية"، أي لرأس حربة المشروع البشيري، الذي لم يتوقف أركانه عند نقطة السيطرة العامة على لبنان، بل أرادوا المضي نحو تأكيد تلك السيطرة في كل قرية من الجبل، وفي كل مدينة يستطيعون مد اليد المهيمنة إليها. كان ذلك مشروع انتحار البشيرية المعاصرة، ووضع نقطة قطع ثقيلة أمام البشيرية التاريخية، ونقطة تحول حاسمة للجنبلاطية التي وضعت نفسها في قلب تحالف من المذهبيات المحمية عربياً، وشكلت طليعة هجوم ضد مناوئي هذه التشكيلة في الداخل وفي الخارج.

زمنان متعاكسان:
شهد الخط البياني للجنبلاطية الجديدة صعوداً بلغ ذروته مع اتفاق الطائف، وانحدرت البشيرية التي حاولتها "العونية" قبل أن تصير "تياراً وطنياً حراً" إلى نقطة انطلاق الخط البياني. استمر ذلك، وعلى غير نمطية ممنهجة، حتى اغتيال الرئيس رفيق الحريري. كان هذا وقت تحول حاسم في مسار الجنبلاطية التي اعتمدت نهج معارضة حليفها السوري، ومعارضة حلفائه في الداخل، وكان في الوقت ذاته محطة تأسيسية لعونية أخرى، سترث التحالف مع النظام السوري ومع من يؤيدونه ويناصرونه في الداخل.. تباعاً تدهورت الجنبلاطية، بثبات تقدم التيار الوطني الحر. ومن دون قفازات وبلا أقنعة، عاد مطلب "المسيحيين أولاً" ليكون شعاراً هادياً للتيار، الذي عمل مؤسسه على إلغاء خصومه عندما كان رئيساً لحكومة "نصف لبنان"، والذي يعمل من صار رئيساً لهذا النهج على استكماله بعد أن صار المؤسس رئيساً لكل لبنان.

لا صعوبة في قراءة مصطلح "الشعب المسيحي" الذي حملته القوات اللبنانية مع بشير الجميل ذات يوم، ووجه المقارنة جائز بين محاولة مد النفوذ إلى جزء من جبل لبنان في أيام البشيرين، وبين المحاولة الراهنة التي يقدم عليها رئيس التيار الوطني الحر، الوزير جبران باسيل.

ومع المقارنة يجب التذكير أن كل محاولة قسرية من هذا القبيل، تشكل عنصر اهتزاز للتساكن "الجبلي" المقيم على هشاشة منذ تاريخ وحتى اليوم. في هذا السياق لا مكان للكلام عن الديموقراطية وحق كل لبناني في التنقل ورفض التقوقع والمجال المفتوح.. هذا كلام نظري تجابهه كل الوقائع اليومية، وما سبق قوله لا يكون مادة استخدام استنسابي، في الوقت الذي يعرف القاصي والداني، أن في الأمر استعصاء بنيوياً لا تحله مقولات التكاذب المتبدلة والمتبادلة.

من الأول:
كان بشير الشهابي طارئاً سياسياً على الجبل في أيام إمارته، وأخطاؤه أسست لأخطاء لاحقة بنى عليها من احتل لبنان الصغير والكبير، ومن فرض الانتداب عليه أيضاً، بفرعيه الغريب والشقيق.

وكان مشروع بشير الجميل طارئاً سياسياً على الجبل أيضاً، عندما تلاعب بتوازناته، وعندما توسم أصحاب النهج في أنفسهم القدرة على تنفيذ مندرجاته.

ويتراءى اليوم أن بشيرية الهيمنة "التيارية الحرة" طارئة سياسية أيضاً، لجهة عدم استفادتها من مرارة التجارب القديمة، ولجهة إصرارها على تجريب المجرب الذي حصد أصحابه فشلاً واضحاً مازالت المسيحية السياسية تلملم آثاره حتى اليوم.

هل يستدرك الطارئون سياسياً بالسياسة أولا؟ أم أنهم سيأخذون المشهد العام إلى مداه التخريبي؟.

الكل مسؤول. الجنبلاطية المتحولة والإرسلانية المعاد تصنيعها وأصحاب النزعة البشيرية التي لن تكتب لها الحياة الراسخة الأصيلة.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019