حزب الله لإسقاط البيطار أو "ميني" 7 أيار؟!

نادر فوز

الأربعاء 13/10/2021
لسنا على ما يرام. مجدداً، تعيدنا منظومة الحكم إلى خطّ التفجير والتوتّر. تلوّح باقتتال داخلي، بحرب أهلية، بـ"ميني" 7 أيار. يتصدّر حزب الله، معه حركة أمل، الواجهة مجدداً، لا لشيء سوى لأنهما قادران على تصدّر الواجهة. كل أحزاب السلطة مأزومة، من ملف انفجار مرفأ، من التحقيق فيه، من المحقق العدلي القاضي طارق البيطار، من عجزها اللامتناهي عن إدارة البلد ككل وبكل أزمات. لكنّ الثنائي، وحده القادر على التعبير عن انزعاجه بالأسلوب الذي يرتئيه والذي يراه مناسباً. التلويح بالفلتان الأمني. "في القادم من الأيام"، عبارة سحرية وردت في الخطاب الأخير لأمين عام حزب الله. هنا بدأ التلويح والتهديد بعد أن نفذت جعبة الترغيب والتمنيات.

عصا موسى
أخذ حزب الله، بصدره، مهمّة نسف التحقيق في مجزرة 4 آب. ترافقه حركة أمل، كالعادة. سبق له أن أخذ المبادرة نفسها يوم قرّر تدمير انتفاضة 17 تشرين وتفريغ الشارع من المحتجّين والمواطنين. وقبلها عام 2015، في حراك النفايات. لا نريد ناساً في الشارع، نحن فقط من يُنزل الجموع إلى الشوارع، من يتحكّم بالقرارات، بالسلطات والمؤسسات. الشارع لنا، والدولة لنا. نحن السلطة، ونحن سلطة الاعتراض عليها. ومن لا يعجبه هذا الواقع البحر أمامه، فليخضعه بعصا موسى إن شاء. بين عصا الثنائي وعصا موسى، خيار ثالث من خشب أيضاً.

مطرقة البيطار
ليس بيد القاضي طارق البيطار مطرقة. هو محقق عدلي، يجمع المعطيات ويستجوب ويدوّن إفادات ويصدر قراراً ظنياً. لا يحكم فيه ولا يدين أو يبرّئ. ليس له مطرقة، لكن من الواضح أنّ بين يديه مهمة حوّلته إلى عنوان الشيطنة والأبلسة. عضو كتلة الوفاء للمقاومة، النائب حسن فضل، قال اليوم إنّ "تدخل وزارة الخارجية الأميركية في قضية التحقيق في كارثة إنفجار المرفأ من خلال تصريحاتها المناهضة لرافضي التسييس، والداعمة للسياسات المعتمدة من قبل المحقق العدلي، محاولة مكشوفة لترهيب المسؤولين اللبنانيين". يضيف أنّ المواقف الأميركية ليست إلا "الجزء الظاهر من حجم التدخل الأميركي المباشر في التحقيقات لحرفها عن مسارها لإبقائها ضمن جدول التوظيف السياسي الأميركي لتصفية الحسابات مع المقاومة وحلفائها في لبنان".

حريري اثنان
ثمة من لا يزال يصدّق هذا الكلام. ثمة من لا يزال يبني عليه. وثمة من يروّج له. يضيف البهارات وسائر المطيّبات الأخرى ليكون مشهد الترهيب كاملاً. القوى السياسية، وأولها حزب الله، نجحوا إلى الآن في تحويل جريمة انفجار مرفأ بيروت إلى جريمة اغتيال الرئيس الحريري اثنان. انقسام سياسي، محاور، مؤامرات، حرب مذهبية، حسابات سياسية، فلا تحقيق ولا عدالة ولا محاسبة. بين إعدام الحقيقة والحرب الأهلية، ماذا تختارون؟ ولا داعي لاستذكار الأشهر التي لحقت جريمة 14 شباط وبعدها محطة 14 آذار، وصولاً إلى الاغتيالات المنتقاة التي لا حلّ لألغازها ومنفذيها حتى اليوم، وإلى 7 أيار وباقي سردية إحكام القبضة على الدولة والمؤسسات والناس.

عضال
المؤامرة، عضال فكري اعتيادي يوظّف لمواجهة أي فكرة أو مشروع أو عمل لتغيير واقع ما في لبنان. عضال المؤامرة يجرّ معه عضال نسجها وفبركة تفاصيلها. ومن هذه التفاصيل، ما تروّج له بعض الجهات المعنية أو المتواطئة بأنّ "انفجار مرفأ بيروت جريمة ضد المسيحيين". وليكون العضال متحكّماً بجسد التحقيق وكل أعضائه وأطرافه، يشير هؤلاء إلى أنه لم يطرح محققين عدليين في ملف المرفأ سوى قضاةً مسيحيين. لم تُحَل طلبات الردّ والارتياب المشروع سوى أمام قضاة مسيحيين. لماذا؟ لأنّ القضية مسيحية، ويخضع القضاة المسيحيون لضغوط الرأي العام المسيحي. اكتملت المؤامرة. عضال المذهبية والطائفية، على سخافته وخفّته، يبقى خبيثاً. يبقى عضالاً. "نحن أيضاً مات ناس لنا في الانفجار"، يقول مسؤولون. ناس لنا؟ شيعة؟ سنة؟ موارنة؟ جنوبيون، بقاعيون؟ بيارتة؟ زغرتاويون؟ ما كل هذا الهراء؟ عضال ينهش أعضاءنا، كبدنا، أمعاءنا.. عضال لا حلّ للقضاء عليه سوى بالقضاء على الأعضاء التي يتغذّى منها. نقتل أكبادنا، فنموت ونقضي على العضال. أو عصا موسى.

مواجهة اعتيادية
السلطة السياسية، على رأسها حزب الله، حوّلوا قضية انفجار مرفأ بيروت إلى هذه المهزلة السياسية والطائفية. كأنهم يسعون إلى تسخيف الجرم والقضية أمام أمام كل هذا الأداء. بالنسبة لهم، لا ترق جريمة 4 آب إلى مستوى عاصمة تدمّرت و217 ضحية وآلاف الجرحى ومئات آلاف المهجرين. وصولاً إلى التهديد بالانفجار الأمني والآخر الحكومي. فكان المشهد الأمني اليوم في محيط قصر العدل حيث انتشرت عناصر أمنية بكثافة، وعتادها، استباقاً لتحرّك منوي تنفيذه يوم غد. الدعوات متلاحقة، من قبل مسؤولين وقياديين في حركة أمل للتظاهر أمام قصر العدل عند الحادية عشرة من صباح الخميس. لعبة السلطة تنجح مجدداً، شارع بوجه آخر. أهالي ضحايا وشهداء ومتضررون بوجه أنصار سياسيين. لكن الواقع مجدداً يؤكد على مواجهة بين ضحايا ومتّهمين بالارتكاب، كما هي الحال دائماً في الفساد والحقوق والقوانين ولقمة العيش.

في هذا الوقت، كان القاضي طارق البيطار يجلس في مكتبه اليوم بانتظار قرار محكمة التمييز. يحضّر لجلسة استجواب الوزير غازي زعيتر عند العاشرة، ولاستجواب الوزير نهاد المشنوق عند الواحدة ظهراً. لكن محكمة التمييز لم تسقط طلب الردّ، على أن تلتئم الهيئة غداً على وقع اعتصام وصراخ واحتجاج في الخارج يطالب بإسقاط البيطار ونسف تحقيقاته. لكن البيطار في مكتبه، يتابع عمله كما يجب، كأنّ لا شيء يحدث في الخارج. مصرّ ومتمسّك بمهامه وتحقيقاته وسعيه وراء الحقيقة والعدالة. هل يصارع طواحين هواء؟ هل يقاتل مجرمين وسفلة على طريقة "باتمان"؟ الأكيد أنه يواجه مرضى. مرضى لا بريق فيهم كشخصيات "جوكر" و"دوبل فايس" و"الرجل البطريق". مرضى لا سحر في شخصياتهم ولا إعجاب. مرضى سياسيون وطائفيون ومذهبيون ومناطقيون يلوّحون بالاهتزاز الأمني. 

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2021