الشتيمة وحدها ما يستحقه هذا النظام

يوسف بزي

الجمعة 18/10/2019

الشتيمة وحدها. كل المحاولات التلفزيونية لتسجيل قول يعبّر عن ما يريده المحتجون فشلت. الشتيمة وحدها هي "الخطاب".

السلطة، الطبقة السياسية، الأحزاب والتيارات بكل اتجاهاتها، كبيرها وصغيرها، ابتذلت اللغة كلها واستهلكتها. باتت اللغة نفسها فاسدة، مجوفة وفارغة من معانيها.

طوال 15 عاماً من الاستعصاء السياسي وتعطيل النظام والفشل المتمادي، وخواء السلطة، لم يفعل السياسيون سوى امتهان الكلام واستهلاكه، بل والاستيلاء على قاموس المعارضة كما قاموس الاحتجاج.

هكذا وجد اللبنانيون أن ليس بيدهم وعلى لسانهم سوى الشتيمة. والأصح أن النظام السياسي نفسه بات منحطاً إلى حد أن لا معنى لمساجلته أو مناقشته. البذاءة وحدها جديرة به. السباب هو المعادل الموضوعي للإسفاف الذي عممته هذه السلطة.

القذارة اللغوية التي وسمت تراشقات السياسين فيما بينهم، في عهد "من الزنار وبالنازل"، والألفاظ الغرائزية التي ميزت رجال الحكم "الأقوياء" في خطبهم المترعة بالقدح والذم والتعهير.. لم تترك مجالاً للبنانيين الغاضبين سوى رد القذارة إلى أصحابها.

لذا، الفحش في الشتيمة والسباب ليس نافراً ولا مرفوضاً. بدا هذا مرغوباً و"مناسباً" تماماً كرد وكاحتجاج وانتفاضة "سياسية". ما كان يقوله اللبنانيون استياء فيما بينهم وعجزاً عن أي وضوح، تحول إلى ما يشبه حفل شتم وطني وعمومي.

تحولت الشاشات رغماً عنها إلى منبر لانفجار الشتيمة بوجه الرؤساء جميعهم والزعماء كلهم. هذا أقل ما يستحقونه. فلا جواب على الفجور الذي يمتاز به المتربعون على رأس السلطة إلا الاحتقار ورميهم بأقذع الألفاظ وأفحشها.

بركان الشتائم بدا وحده أفضل "تعبير" ممكن. التعبير الصائب والأشد بلاغة لمخاطبة عصبة الحكم والسلطة.

"الأجمل" من الشتيمة هي تلك الصورة الرمزية التي مثلتها ركلة الفتاة المذهلة في أسفل بطن رجل الأمن المسلح. بدت ثأراً مكثفاً من الفجور الذكوري للسلطة وتماديها في "الزعرنة".

الركلة الأنثوية التي تطمح إلى "إخصاء" التنمر الذكوري، تحولت من فور حدوثها إلى صورة رمزية لأهل الاحتجاج، بوصفها تعبيراً موازياً لشعار "يسقط يسقط حكم الأزعر". فهذا الأزعر لا يستحق سوى لبطة بين فخذيه وبصقة في وجهه وشتيمة ثقيلة العيار لكيانه كله.

بل وكأن في هذا الحراك، حراكات عدة، منها هذا الخروج والحضور النسوي الواضح ضد منظومة ذكورية، ضد قيم يعممها عهد لم يثبت سوى إهانته الدائمة للمرأة.

إلى جانب إضمار هذه الانتفاضة الشعبية لحراك نسوي، يمكن أيضاً الانتباه إلى ولادة "جيل جديد". شباب تكون وعيه على الإدقاع خلال العقد الأخير. شباب يواجه اليأس يومياً. يواجه غربته عن السياسة وغربة النظام عنهم وشيخوخته البائسة وفواته وعناده بالتمسك بسلطة ما عادت على صلة بحساسية هذا الجيل الغاضب.

ما من صفة عامة يجمع عليها اللبنانيون ليطلقوها بوجه الحكم سوى "الحرامية"، اللصوص، الفاسدين.. وبلا استثناء.

إذاً، هو الاحتقار المتبادل ووقوع القطيعة بين المواطنين والسلطة، ما يجعل اللغة مستحيلة وتتحول فقط إلى صراخ وشتائم وسباب وفحش الصرخة. فعلى قدر احتقار أهل السلطة للناس جاء تعبير ازدراء المواطنين للسياسيين.

مع الوصول إلى القاع.. لم يبق للبنانيين سوى لغة القاع كسياسة وحيدة ناجعة ومكافئة لأولئك "الساقطين" أخلاقاً وسلوكاً وحكماً.  

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019