السلطة تتحدث عن "إصلاح اقتصادي" وتخطط لوأد الانتفاضة

منير الربيع

الإثنين 21/10/2019
تنطوي الانتفاضة التي شهدتها بيروت والمناطق اللبنانية، على وأد نهائي لمنطق الحرب الأهلية. فاللبنانيون عاشوا ربيعهم في عزّ الخريف.

الخريف العوني
بعد أيام على 13 تشرين، انكشف التناقض العوني عن خريف العهد الحالي، وربيعه الذي كان يريد مناصروه استكماله في الـعام 1990. عاد الجنرال منقلباً على ثوابته، واستمرّ باسيل مهدداً بقلب الطاولة، مرتكزاً على قوة حزب الله، وخطابه الطائفي والعنصري، فيما نبذ اللبنانيون طوائفهم وطائفيتهم، وخرجوا من شرنقة مذهبة تحركاتهم وانتفاضتهم، فدفنوا الحرب الأهلية، وقالوا كلمة واحدة: إسقاط "التركيبة" الحاكمة.

تفوق اللبنانيون على أنفسهم، وعلى طوائفهم وأحزابهم. كانت الساحات لهم، بينما اختفى أركان السلطة في الغرف المغلقة، يدرسون خيارات كسب الوقت، والاستمرار في التسوية. لقد سبق سيف الناس عزل الحكومة، فتجلّت وحدة اللبنانيين الحقيقية، بعيداً عن الكليشيهات "العيش المشترك" التي كان أركان السلطة يمنّون أنفسهم والناس بها: تارة بصورة عناق الإنجيل والقرآن، وأطواراً بصور يقف فيها رجال دين من الطوائف المختلفة، وسوى ذلك من أنواع الشعارات والاستثمارات السياسية، على قاعدة المحاصصة الطائفية وتوزيع المغانم، وفق 6 و6 مكرر.

الطوائف خارج قوالبها
على مثال قلب واحد جاءت الانتفاضة من الشمال إلى الجنوب، فيما غاب أهل السلطة عن السمع، ولجأوا إلى أساليبهم التقليدية في تعاملهم مع الاحتجاجات: مذهبتِها وتطييفها، وذر الرماد في العيون بادعاءات ومناقشات أوراق إصلاح وحلول، متجاهلين أنهم هم مشكلة الناس الحقيقية.

وفي الوقت الذي عاش أركان الحكومة على قلق، راصدين باستمرار التحركات في الشارع، كانت دول كثيرة تدخل على خطّ الرصد والمتابعة والاتصالات. لكن لبنان كان في مشهد مغاير تماماً: خرج اللبنانيون من شرانقهم الطائفية. فمثّل أبناء الطائفة الشيعية العنوان الأبرز لتظاهرات الانتفاضة: في صور والنبطية وغيرهما من المناطق، فأسقطوا منطق العداوة مع الآخرين. وكانت الانتفاضة في الجنوب محط اهتمام أنظار اللبنانيين والعالم. إنها سابقة لم يكن يتوقعها أحد.

الساحة السنية كانت قد سبقت الساحات كلها في تعبيرها عن غضبها الناعم، بانخفاض نسبة مقترعيها في الانتخابات النيابية الأخيرة. وفي التعبير عن رفض الواقع السياسي القائم. وهذا ما تجلى في الانتفاضة الطرابلسية العارمة في يوم أحد الانتفاضة اللبناني العظيم.

أما الساحة المسيحية فجاءت انتفاضتها هائلة. فمن كانوا في الشوارع يمثلون الطبقات الاجتماعية المختلفة: من البرجوازية والنخب، إلى جانب الطبقات المتوسطة فالفقيرة. وقد يكون الأهم في هذه الانتفاضة، هو استمرارها وتشكيلها لجاناً قادرة على تقديم الطروحات والتفاوض باسمها، بعد استفاقة السلطة من إنكارها وسباتها.

سلطة لوأد الانتفاضة
على وقع الزلزال الذي عاشته المناطق اللبنانية بألوانها كلها، قيل إن أركان الحكومة يجتمعون للبحث في ورقة اقتصادية، فيما النقاش الأساسي والحقيقي الدائر بينهم محوره كيفية وأد الانتفاضة وإنهائها، سواء بكسب الوقت، وبأي أسلوب آخر.

وتدحرجت كرة الثلج سريعاً، وكبرت كرة النار المشتعلة بين أيدي أركان التسوية. في المداولات التي دارت بين أهل الحكم، كان التركيز على وجوب إنهاء الانتفاضة في مهلة أقصاها مساء الاثنين، موعد انتهاء الـ 72 ساعة التي عيّنه رئيس الحكومة سعد الحريري. وفي صلب هذه المهلة، كان البحث يتركز على وجوب إنهاء الانتفاضة، خصوصاً أن قرار حزب الله كان واضحاً وحاسماً: ممنوع إسقاط الحكومة وإسقاط العهد.

خيارات كثيرة بُحثت: إرسال بعض التخريبيين إلى التحرك، لتبرير تدخل القوى الأمنية وفضها التظاهرات، وشن حملة اعتقالات واسعة. لكن هذه اللعبة مكشوفة ومفضوحة، وقد تؤدي إلى نتائج عكسية وغير متوقعة. حزب الله لا يريد أي تغيير، خصوصاً بعد المشاهد الهائلة في مناطقه، وإدراكه أن ثمناً ما لا بد من دفعه، في حال نجاح الانتفاضة في الاستمرار. والثمن لن يكون أقل من استقالة الحكومة التي قد لا تروي غليل الناس الذين سيطالبون بالمزيد.

يتوجس حزب الله من أن هيمنته على السلطة وقرارها قد تكون مهددة. وهذا ما لن يقف مكتوف الأيدي إزاءه، وقد يضطر إلى فعل شيء غير اعتيادي وخطير. 

حزب الله ركيزة السلطة
وسط هذه القراءة كانت القوى السياسية، بما فيها حزب الله، تبحث عن بدائل للتصرف مع الانتفاضة. ثابتهم الوحيد هو أن لا بديل عن سعد الحريري. ولكن كيف سيكون شكل الحكومة في حال استقالتها؟ لكن نصر الله أعلن منعه إسقاطها أو إسقاط العهد. وموقفه هذا مماثل لما جرى في العراق: صدور قرار إيراني مباشر بمنع سقوط حكومة عادل عبد المهدي. لبنان والتسوية السياسية القائمة فيه خطّ أحمر، بالنسبة إلى حزب الله. ومشهد الناس في الشوارع والساحات ليس أقل من كسر لهاتين المعادلة والتسوية، وخروج عليهما.

جعجع خارج المركب
تركزت اهتمامات بعض الدول على رصد التحركات في لبنان. وتؤكد معلومات أن الموقف الدولي تركز على في الـ 48 ساعة الأولى على الحفاظ على الاستقرار، وبقاء الحكومة. ولكن بعد الكلام على الإصلاحات، واستمرار الانتفاضة، تغيرت المواقف الدولية. دخل الأميركيون على الخطّ، وأجروا اتصالات ببعض القوى، من بينهم رئيس الحكومة سعد الحريري ونصحوه بالاستقالة، لكنه فضل التريث. وتواصل الأميركيون مع آخرين، من بينهم جنبلاط وجعجع. الأول فضل البقاء مع الحريري، والثاني كان قد اتخذ خيار الاستقالة والقفز من المركب والخروج على التسوية، في محاولة منه لتعديلها. الفرنسيون أجروا اتصالاً بالحريري وطالبوه بالاستقالة، بعدما كانوا نصحوه بعدم الإقدام عليها في البداية. لكن الحريري تمسك بموقفه، معتبراً أن أي استقالة ستقود لبنان إلى الفراغ والمجهول، وسيحصل انهيار اقتصادي ومالي.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019