التراشق بالحرائق.. في بلد أصابه الجرب أو الطاعون

محمد أبي سمرا

الثلاثاء 15/10/2019
موسم حرائقنا الطبيعية بدأ أمس في المشرف.

لم تحظ إلا بانتباه عادي، بل ضئيل، وضاعت في حومة الهباء والهشيم السياسيين ودبيبهما في الديار اللبنانية.

تسابق في مباراة
وراحت الحرائق تتمدد وتتسع في ساحل الشوف وفي سواه من المناطق. وفوق عصفها وتمددها واشتعالها ليلاً وحتى صباح اليوم، صار لا بد من أن يتراشق مقدمو الجماعات اللبنانية الاتهامات بأنها مفتعلة ومدبرة، وتدخل في سياق الاستهداف الأهلي - السياسي، على منوال الأزمة المالية والاقتصادية، والتعيينات وملئ الشواغر في الوظائف العامة والمناصب الإدارية، فيما مذيعات المحطات التلفزيونية ومصوروها يطاردون الحرائق بكاميراتهم وتعليقاتهم الميدانية المتوترة.

وصار لا بد من أن يطارد وزراء ونواب ومسؤولون، الإعلاميين في الوصول إلى الميدان ليدلوا بتصريحاتهم، ويتحدثون عن الحرائق والتقصير في كفاحها وحصارها وإطفائها، ويتراشقون التهم والمسؤوليات عن غياب الإمكانات والوسائل التقنية واللوجستية لكفاح الحرائق وإخمادها. ولا بد أيضاً من الكلام عمن بادر من المسؤولين لزيارة مواقع الحرائق والإدلاء بتصريحات، ومن لم يبادر، وبقي في منزله غير مكترث بالنزول إلى الميدان والتصريح أمام الكاميرات التلفزيونية والمشاركة في الهرجة الإعلامية وتبادل التهم حول الكارثة الحاصلة. كأنما المتبارون في التصريح والنزول إلى الميدان، يقومون بحملة انتخابية، أو يحييون مهرجانات سياسية.

المشرف بالرمادي والأسود
في العاشرة من صباح اليوم بدأ المشهد يكتمل على إيقاع تجييش المحطات التلفزيونية فرق عملها الميداني، للتباري في تصوير الحرائق، خصوصاً في ساحل الشوف. وزيرة الداخلية ووزير البيئة في الميدان بكامل جهوزيتهما، قالت التغريرات والتصريحات والصور.

في المشرف، موطن الحرائق الأول (الإثنين)، المشهد كئيب في العاشرة من صباح يوم الثلثاء. دخان وغابات أشجار محترقة عجفاء مسوّدة متفحمة بعد إطفائها، وأرمدة تعسُّ فيها بقايا نيران، وتنبعث منها أدخنة على التلال وبين الفيلات المقفلة الخالية من سكانها، فيما طواقم الإطفاء والدفاع المدني والبلديات الإغاثة، ومعهم خدم الفيلات من العمال الأجانب والجنائنيين، منتشرون في الشوارع بين الفيلات يكنسون الرماد وبقايا أوراق الشجر اليابس التي لم تلتهمها النيران. وفي البعيد طوافة تحوّم وحيدة في الجو فوق التلال، يتدلى منها مستوعب ماء، وسرعان ما تتجهه نحو شاطئ الدامور.

المشهد خانق وكئيب وهادئ، لا ذعر ولا خوف، بل سكون وخمول ما بعد الذعر، يشبه العسيس الخابي في الأرمدة المتصاعد منها الدخان، ويشبه أيضاً الروابي والتلال الكالحة التي أتت عليها النيران المنطفئة وتركت الأرض غبراء مقفرة من الخضرة التي كانت في الأمس تودّع الصيف وتدخل في الخريف.

الطبيعة في خريف المشرف الهانئ الهادئ عادة في موطن عمران فيلاتها الفخمة، بدت مصابة بداء الجرب الذي تركته الحرائق الخامدة تحت سماء غبراء. أناقة الألوان الزاهية بتنوعها صارت مشهداً مرسوماً بالأسود والرمادي، مثل صور الرحالة ولوحاتهم التي تعود إلى بدايات القرن العشرين وما قبله، حيما كان البشر قليلون، بل نادرون في المشهد الطبيعي المتقشف، والقليل والبدائي العمران.

"دمار وخراب، ويا رب لا تهجر سما لبنان"، قال الرجل الذي يحرس إحدى الفيلات. يضع كمامة من قماش على فمه وأنفه، وصوته طلع خشبياً من خلف الكمامة. رائحة خانقة فاحمة في الجو. ومشهد الأشجار التي تظلل طرق الإسفلت الفسيحة الخالية الخاوية بين الفيلات، يعبق الدخان فيه وفي الأشجار الباسقة الناجية. دخان متباطئ يطلع من نهاية المشهد الإسفلتي الهادئ، فيحار العابر ماذا يفعل في هذا الخلاء المهجور؟

في المشرف بعد الحريق وبقايا عسيس في الرماد والأشجار السود، الجرداء العارية المتعظّمة، شيئ من تلك المشاهد القديمة المتخيلة في زمن ما بعد الجراد. لكن هذا المشهد العتيق المغبر، ينقله إلى الزمن الحاضر مشهد الفيلات المهجورة التي لم تصل الحرائق إلى أي منها، وظلت ألوانها وحجارتها على حالها، لكن لتقول إن الجرب أو الطاعون أصابا الطبيعة هنا، والحياة لن تعود قريباً إلى المكان.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019