توحيد القوى المدنية.. كيف؟

حسان الزين

الأربعاء 05/07/2017
"توحيد الجهود والقوى المدنية الديمقراطية"، أكثر مطلب- شعار يردده الحريصون على تلك الجهود والقوى وتحقيق إنجاز سياسي- نيابي يسهم في الخروج من حالة الترنّح وتحكم الطبقة السياسيّة بالدولة والبلد ومقدّراتهما.. ومن المحاصصة والفساد.


لكن، دون ذلك صعوبات واقعيّة تتجاوز النيّات الحسنة والإيجابيّة التي يبديها كثيرون. وفيما لا يبدو ذلك مستحيلاً، لا بد من الإشارة إلى أنّه ليس هدفاً لا يمكن الذهاب إلى المعركة الانتخابيّة من دون تحقيقه. فالتوحيد غاية عمليّة، ولعلّه هدف سياسي، لكن يمكن العمل، وحتّى الفوز، من دون تحقيقه. كذلك، يجب أن لا يكون فوقيّاً على مستوى الخطاب السياسي، أو مركزيّاً في العاصمة واجتماعات الناشطين والمجموعات والحملات والأحزاب. فذلك، سواء تحقق إطارٌ واحدٌ أم تحققت أطرٌ عدّة تلتزم أن تتعاون وأن لا تتواجه أو تُضعف بعضها البعض وتبدد القوة الانتخابيّة، لا ينجح إذا ما كان فوقيّاً أو مركزيّاً.

لذا، لاسيما أن لا أحزابَ منتشرة في البلد كلّه بقوّة انتخابيّة مؤثّرة في الدوائر الانتخابيّة كلّها، ولا أطرَ جبهويّة تتسع للجميع حاليّاً، ولا أحد يمكنه ادعاء التمثيل واحتكاره، من الواقعي والمفيد العمل، من الآن، على خطّين متوازيين، بهدف خوض المعركة بجدارة وواقعية وقدرة على الفوز، وبهدف التجميع واستثمار الطاقات كلها وإطلاق الكامن في المجتمع اللبناني والانفتاح على الحيويّات الاجتماعية والسياسية من دون إقصاء أو استبعاد أو نسيان، أو محاولة احتكار وتسلّط وتفرّد.

والخطان المتوازيان اللذان يقتضيان من الجميع الانفتاح والتعاون وترجمة الروح الإيجابيّة والإفادة من الخبرات المتراكمة العامة والشخصيّة في العمل العام المشترك وممارستها حواراً وعملاً وتنظيماً، هما:
1-  إنتاج هوية وخطاب سياسيين، واسم وشعار، ومعايير العمل واختيار المرشّحين وتأليف اللوائح، وقواعد التعاون الانتخابي أو التحالف، وما يمكن تسميته مدوّنة سلوك شخصي وسياسي للفائزين.
وفيما يجري الكلام، في مثل هذه الحالات عن توافق على الحد الأدنى، يمكن رصد ثلاثة محاور تنشط فيها التحرّكات المدنيّة الديمقراطية، ومن الضروري والواقعي السياسي التركيز عليها واستقاء الشعارات منها، وهي: (أ) مواجهة الطبقة السياسية التي تتسلط على الدولة وتنهبها وقد أفسدتها وأوصلت البلد اقتصاديّاً وسياسيّاً وأمنيّاً وثقافيّاً إلى هذه الحالة، بالتعاون والتنسيق مع الخارج وبالتكافل والتضامن مع الاحتكاريّين المتوحّشين. وإذا كان تداول السلطة مستحيلاً حاليّاً، بين موالاة ومعارضة، فإن التأسيس لذلك ضروري وواجب من خلال السعي لعدم ترك الطبقة السياسيّة تنفرد بالسلطات؛ (ب) مواجهة المحاصصة ومكافحة الفساد والهدر؛ (ج) التنمية الاجتماعية وحاجات المواطنين والحفاظ على الثروات الوطنية واستثمارها في الإنسان والمجتمع.
وفيما لا بد من توفير هامش واسع للمناطق- الدوائر كي ترتّب أولويّاتها وتصوغ شعارات معاركها، لا بد من تجاوز خطأ الذهاب إلى المعركة الانتخابيّة بشعارات أيديولوجيّة وعموميّة، أو موروثة من الانقسام السياسي- المذهبي. فالمعركة الانتخابيّة ليست مناسبتها ومنصّتها، ويُفترض بالقوى المدنيّة الديمقراطيّة، أن تقدم خطاباً أكثر أصالة بانتمائها إلى لبنان وإلى المجتمع والمواطن وحاجاتهما.

2-  الانطلاق بورشة بناء حملات انتخابيّة في الدوائر الانتخابيّة لتجميع الناشطين والقوى الاجتماعيّة والسياسيّة، لتدرس الواقع والامكانات وتصوغ الأهداف والمطالب والشعارات وتختار المرشّحين وتدير عمليّات تأليف اللوائح وتبني الماكينات الانتخابيّة.

يسير الخطّان هذان بالتوازي ويتجادلان. وفيما لا يمكن لأحدهما أن يتحكّم بالآخر أو يستغني عنه، لا يمكن أن يُسقط الأول على الثاني، ولا يمكن الثاني أن يتوهّم أنّه يحيا وحيداً. نموّهما مشترك توأمي. فحتّى الشروع بصوغ الأول لا يمكن، ولا يجوز، ألا يتزامن مع إنطلاق الثاني ويتحاور معه ويكون انعكاساً له، والعكس صحيح. ورغم أنَّ الصورة الوطنية الكبرى والجامعة تتويج للجهود المناطقيّة، فإنّها لن تتحقق إلا إذا سارت بالتزامن مع الجهد "المركزي" أو الوطني. وإلا ستكون، أي الصورة الوطنية الكبرى، مصطنعة ومسرحيّة وربّما مهزوزة وقابلة للتفكك والتلاشي.. وجزئية.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2021