الخيارات الأميركية الضيقة شرقي الفرات

سعيد قاسم

الثلاثاء 02/10/2018
تصاعدت وتيرة الدعم العسكري الأميركي لمناطق شرقي نهر الفرات حيث سيطرة "قوات سوريا الديموقراطية"، منذ بداية الصيف. ويبدو أن لواشنطن مروحة خيارات ضيقة، خارج إطار دعمها العسكري لحلفائها على الأرض.

وعبرت 500 شاحنة محملة بالمعدات العسكرية الأميركية، في آب/أغسطس، معبر سيمالكا الحدودي، المنفذ النهري الرابط بين سوريا وإقليم كردستان. ودخلت قبلها 250 شاحنة، على دفعات، خلال تموز/يوليو، بالتزامن مع الحديث عن مفاوضات بين النظام و"مجلس سوريا الديموقراطية".

ويستقبل معبر سيمالكا، قافلتين أميركيتين أسبوعياً، غالباً ما تكونان مؤلفتين من آليات تنقل وقوداً أو جدراناً مسبقة الصنع، أو آليات خدمية. ويتركز الدعم العسكري الأميركي حول تطوير الخدمات العسكرية للمطارات، وتوسيع بعضها.

مؤخراً أقامت الولايات المتحدة قاعدتين عسكريتين جديدتين لها في محيط مدينة القامشلي؛ واحدة في الحي الشرقي، والأخرى على طريق عامودا غرباً. انشاء تلك القاعدتين جاء بعد يومين من الاشتباك الدموي بين "الأسايش" الكردية و"الأمن العسكري" التابع للنظام.

القاعدتان العسكريتان الجديدتان في القامشلي تشكلان خطوة نوعية للولايات المتحدة التي باتت على بعد كيلومترات معدودة من أهم مراكز التواجد العسكري للنظام شرقي الفرات؛ "الفوج 54" في منطقة طرطب في محيط القامشلي على طريق الحسكة، وهو فوج للقوات الخاصة التابعة لـ"الفرقة 17" واختصاصها الإنزال الجوي، وكذلك بالقرب من مطار القامشلي الذي يشكل الرابط الحيوي بين النظام وقواته الأمنية والعسكرية في الجزيرة السورية.

الدعم العسكري الأميركي ترافق مع معارضة روسيا والنظام، وتهديدات مباشرة وغير مباشرة للأكراد للعودة إلى "حضن الوطن". ولكن بدا أن النظام عاجز عن المواجهة المباشرة، فحاول اللعب على الوتر الشعبي، واستغلال قضية المناهج المدرسية لتأليب الراي العام ضد "الإدارة الذاتية". وتخللت ذلك مسيرات منددة بممارسات "الادارة الذاتية"، خاصة أثناء انتخابات الادارة المحلية، وسط محاولات لزعزعة الأمن والاستقرار، كان آخرها التوتر الامني في مدينة الحسكة، الإثنين، إثر استيلاء قوات النظام على سيارة لـ"الاسايش".

ويبدو أن الدعم العسكري الأميركي المباشر لمناطق "الإدارة الذاتية" جاء بعد اتضاح هشاشة الحياة المدنية والسياسية تحت ظل حكم "الاتحاد الديموقراطي" ومنظماته المتعددة. فالمشهد العام للحياة السياسية والمدنية يبدو مراكمة للفشل، وسط توجه لتشديد القبضة الأمنية، والنزوع إلى السلطوية.

"الاتحاد الديموقراطي" بات يستخدم القبضة الأمنية أكثر بعدما كان عازماً على تغيير طبيعة حكمه لمناطق "الادارة الذاتية". "حركة المجتمع الديموقراطي" كانت قد قررت في مؤتمرها الثالث نقل صلاحياتها إلى "الادارة الذاتية"، وبالتالي تفعيل دور المجالس المدنية والبلدية، تمهيدا لربطها بـ"الادارة الذاتية" التي أعلنت عنها قبل أسابيع في عين عيسى.

الآن، باتت الدوريات الأمنية والعسكرية والحواجز العسكرية لـ"الاسايش" و"قسد" أكثر تشدداً بمراقبة حركة المرور، بالاضافة الى تكثيف الدوريات التي تهدف الى سوق الشباب للتجنيد. 
اعتماد "الاتحاد الديموقراطي" على القبضة الأمنية في المناطق العربية بات خياراً وحيداً في ظل عدم تبلور مشاريع سياسية تقوم بمهام الادارة المدنية، وبات يُنظر الى "حزب المستقبل"، أهم الاحزاب العربية في المنطقة، بوصفه توأماً لـ"الاتحاد الديموقراطي". وهي نظرة واقعية، لأن "حزب المستقبل" هو اطار سياسي للعرب العاملين في المجالس المدنية التابعة لـ"قسد"،  بالاضافة إلى انضمام بعض كوادر "الاتحاد الديموقراطي" إليه.

وعلى الرغم من النشاط الواسع لتنظيمات "المستقبل" وفروعه، وخطابه المتجاوز للافكار القومية التقليدية، إلا أنه لم يتجاوز أنه إحدى المنظمات المدنية التابعة لـ"الاتحاد الديموقراطي"، ما يعكس الفشل السياسي لصالح الإدارة الأمنية.

ضعف الحياة المدنية غير مقتصر على المناطق العربية، وإنما في المناطق الكردية أيضاً، وهذا مرتبط بالحالة السياسية الكردية المتشرذمة. عشرات الأحزاب السياسية الكردية ليس لها نشاط فاعل، الأمر الذي استغله "الاتحاد الديموقراطي" للمحافظة على دوره القيادي لأكراد سوريا. حالة تجاوزت الوضع السياسي الكردي وامتدت إلى التنظيمات السياسية العربية المسيحية ايضاً.

وعلى مستوى الخطاب السياسي "الأممي" الذي ينادي به "الاتحاد الديموقراطي"، لم ينجح مشروع "سوريا الديموقراطية" في بلورة تمثيل سياسي جامع قائم على "الايمان بمصير مشترك يجمع  العرب والأكراد والمسيحيين". فـ"الادارة الذاتية"، وعلى الرغم من ضمها لأحزاب عربية وسريانية متحالفة مع "الاتحاد الديموقراطي" كـ"الاتحاد السرياني" و"حزب المحافظين الديموقراطيين"، إلا أن أبرز مهام هذه الأحزاب والمليشيات المرتبطة بها هو الحفاظ على دورها الخاص المرتبط بتحقيق مصالح فئات معينة، على غرار قوات "السوتورو" المسيحية وقوات "الصناديد" التي تدافع عن مصالح عشيرة الشمر العربية. لذا، تبدو هذه القوى عرضة للاختلاف والتبعثر، أكثر من قدرتها على التوافق حول مشروع سياسي مشترك.

في المحصلة، تبدو القوى السياسية المحلية التي تعتمد عليها الولايات المتحدة حالياً، شرقي الفرات، ضعيفة جداً قياساً للتواجد العسكري الأميركي. وتبدو العسكرة الخيار الأمثل للولايات المتحدة، للحصول على دعم شعبي محلي، من خلال برنامج "حرس الحدود" الذي يُقبل عليه الشباب العربي كخيار شبه وحيد لتأمين تكاليف المعيشة.
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2019