خيارات السوريين تزداد صعوبة..الجوع أو المواد المغشوشة

منصور حسين

الثلاثاء 16/03/2021
بعد انتشار عادات غذائية جديدة لم تكن معروفة في سوريا سابقاً، حتى بعد سنوات من الحرب، فقد انتشرت خلال الأشهر الأخيرة وعلى نطاق واسع ظاهرة بيع واستهلاك المواد غير المطابقة للمواصفات الصحية، بعضها مهرب وبعضها يتم إنتاجه في مصانع غير مرخصة تنتج المعلبات والمشتقات الحيوانية والزيت وغيرها من المواد الغذائية.

وتشهد تجارة المواد الغذائية المغشوشة أو منتهية الصلاحية انتعاشاً كبيراً وإقبالاً من سكان المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، وغالباً ما تُباع هذه السلع بأسعار رخيصة تناسب دخل المواطن الذي قضى التضخم على أكثر من ثمانين في المئة من قدرته الشرائية، في ظل الارتفاع الجنوني بالأسعار وما يوازيه من انعدام القدرة الشرائية للفرد.

الغلاء ينعش سوق البضائع المغشوشة
بدأت تجارة المعلبات والألبان والأجبان وغيرها من المنتجات الغذائية التي لا تحمل علامة تجارية محددة، تتسع مؤخراً لتشمل المحال التجارية في الأسواق الشعبية، وتعرض على رفوف البقاليات بطريقة علنية، بعد أن كان بيعها مقتصراً على البسطات فقط.

ويوضح حميد أ. صاحب محل لبيع المواد الغذائية في القسم الشرقي من مدينة حلب، أن الكساد وتراجع الطلب على البضائع النظامية بأصنافها المتعارف عليها، نتيجة الضائقة المادية التي يعاني منها السكان، دفعته للاتجار بالبضائع الرديئة والمهربة.

ويقول: "يبلغ سعر صحن البيض المحلي 9500 ليرة، بينما يبلغ سعر صحن البيض الايراني 6500 والتركي 7800، أما سعر ليتر الزيت النباتي عباد الشمس فقد تجاوز 10000 ليرة، بينما المغشوش يباع بسعر 4000 ليرة. وبالنسبة إلى اللبن فهناك المغشوش المصنوع في المعامل واللبن القروي، وبالرغم من المعرفة المسبقة بالأضرار الصحية للمصنع إلا أن الاقبال عليه أكبر من الطبيعي نتيجة اختلاف السعر الذي يصل أحياناً إلى 500 ليرة".

ويضيف أنه "حتى هذه المواد أصبح لديها سوقها وتجارها وورشها المختصة التي تعتمد على المواد الأولية التي تتأثر بسعر صرف الدولار، حيث ارتفع سعرها بنسبة 40 في المئة خلال الأسابيع القليلة الماضية، نتيجة ارتفاع أسعار المواد الأصلية".

وتتفق الشهادة السابقة مع متابعة "المدن" لحركة الأسواق، وآراء السكان من مختلف المناطق السورية، حيث يعتبر أبو عدنان من سكان حماة، أن الأوضاع المعيشية الراهنة والغلاء يتطلب المزيد من إجراءات التقشف، وتجنب المزيد من السلع والمواد الغذائية وحتى استبدال المواد الأساسية بأخرى منخفضة السعر.

ويضيف "تخلينا عن المعلبات منذ سنوات، ونحاول تقليص شراء المواد الغذائية قدر المستطاع، خاصة المعكرونة والبقوليات والسكر وغيرها، نتيجة ارتفاع سعرها الذي لا يطاق، والتزوير في مدة صلاحيتها، أما بالنسبة إلى مواد التنظيف فنفضل اقتناء أصناف من الدرجة الثانية أو الثالثة محلية الصنع التي تكون أسعارها أقل بنسبة 40 في المئة".

وبالرغم من إعلان وزارة التجارة الداخلية التابعة لحكومة النظام، ضبط عشرات الحالات لمثل هذا النوع من المواد بشكل يومي، وتنظيم ضبوط تموينية بحق منشآت صناعية ومحال تجارية تتلاعب بالمواصفات، أغربها كان الخميس، حيث أعلنت عن تنظيم ضبط بحق صاحب مصنع للمواد الغذائية في حماة، جراء العثور على حشرات حية "صراصير" داخل قطع الشوكولا. إلا أن ذلك لم يمنع من اتهامها بالفساد وتحميلها مسؤولية غض الطرف عن انتشار وتوسع تجارة المواد غير الصالحة للاستهلاك أو الاستخدام البشري.

ويعتبر كثير من تجار التجزئة أن معظم الضبوط التي يُعلن عنها "خلبية" أو أنها منظمة بحق صغار التجار والصناعيين الذين لا سند لهم في الدولة، أما الكبار فلا تتجرأ هذه الدوريات على الاقتراب منهم.

ويقول أبو عباس، صاحب مركز بيع تجزئة في حي باب الحديد بحلب: "إذا ما أرادت الحكومة فعلاً محاربة انتشار هذه السلع فعليها البدء بمستودعاتها التي تعتبر رمزاً لسوء التخزين، حيث تعج أكياس الرز والسكر والطحين بالحشرات والقوارض، ناهيك عن الرطوبة والتلاعب بالوزن من خلال فتح الأكياس والعبوات من قبل موظفين وافراغ جزء منها".

وعن مصادر وأنواع المواد غير النظامية التي بدأت بالانتشار في السوق المحلية، يجيب أبو عباس: "كثيرة هي المصادر الموردة لهذه السلع، أبرزها المنتجات المهربة والتي تكون في غالبيتها ايرانية المنشأ تأتي من العراق وتسيطر على سوق الألبان والمعلبات والمنظفات. وبضائع مجهولة المصدر، وهذه تعني أنها دخلت المراكز الجمركية لكن أوراقها أتلفت، أو البضائع المسروقة من المخازن والمستودعات الحكومية وهي تباع إما سراً من قبل مسؤوليها أو من خلال تجار صغار يشترونها منهم، أو منتجات غير صالحة للاستهلاك البشري تباع بالأصل عن طريق المزادات كعلف، لكنها تذهب للأسواق المحلية".

ونظراً لغياب الرقابة فقد انتشرت ظاهرة معامل إنتاج محلية غير مرخصة تستثمر بالدرجة الأولى في صناعة الزيوت والسمن والألبان والأجبان وباقي المشتقات الحيوانية وغيرها، إضافة إلى وجود ورش متخصصة بتزوير صلاحية المعلبات والمواد منتهية الصلاحية، وهذه المصانع والورش باتت تنتشر بكثرة في مختلف المدن السورية، عدا المصانع المرخصة والحكومية التي تنتج أغذية غير مطابقة للمواصفات.

وبحسب تقديرات حكومية واقتصاديين، فقد تجاوزت نسبة البضائع المغشوشة ومجهولة المصدر حاجز الستين في المئة في السوق السورية، بنسبة زيادة مئتين في المئة عما كانت عليه عام 2017، مقابل انخفاض جودة المواد التي تشرف على بيعها وتوزيعها المؤسسات الحكومية، نتيجة سوء التخزين ومع ذلك فإن هذه المواد تحظى برواج كبير.

مع ارتفاع نسبة التضخم ومعدلات الفقر والبطالة، يجد الكثيرون من السوريين أنفسهم مضطرين للاعتماد على المواد غير الصالحة أو غير المطابقة للمواصفات في غذائهم، متجاهلين كل المخاطر الصحية التي يمكن أن تتسبب بها، والتي يعتبرون أنها أقل خطراً من الموت جوعاً.
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2021