وثيقة المدينة: داعش من التنظيم إلى الدولة

مازن عزي

الجمعة 13/06/2014
يسير تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، على خطى تأسيس الدولة. في انتقال محموم من تنظيم ذو خصائص شمولية، إلى سلطة باطشة على الأرض. تنعدم فيها الحدود بين الدولة والأمة والخلافة، وتتلاشى الفوارق بين "الحاكمية الإلهية" وحاكمية التنظيم. 

التنظيم أوضح أن قضيته الوحيدة هي "إقامة سلطان الله على الأرض، وبسط نفوذ الشريعة، وكنس شريعة الغاب من أرض المسلمين". وذلك في مقدمة ورقة حملت اسم "وثيقة المدينة"، أصدرها المكتب الإعلامي في "ولاية نينوى"، بعد سيطرة تنظيمات إسلامية عقب انسحاب الجيش من عدد من المدن العراقية. وتتألف الوثيقة من 16 بنداً موجهاً من قبل التنظيم إلى "عشائرنا الأصيلة وأهلنا وأحبابنا وعوائلنا في ولاية نينوى"، ويخص بها مدينة الموصل.

الدولة كانت قد نسبت إلى نفسها كامل "الفتوحات الربانية" في أرض العراق، وهنأت العالم الإسلامي بتحرير الأسرى من سجون "الطغاة الرافضة". وفي لغة مستمدة من عصر الفتنة الإسلامية الكبرى وثاراتها، داس "صناديد الدولة" على "كرامة الصفويين بأقدام الفاتحين".
فالأمر ليس بغريب على التنظيم السنيّ المتطرف، والمنشق عن يمين القاعدة. فهو يحمل اسم "الدولة" ويعتبر نفسه صاحب "مشروع الخلافة المنشود، وسيفها المشرّع". كما يُعرّف عن نفسه في وثيقة المدينة، بأنه من يأخذ على عاتقه "إرجاع أمجاد الخلافة الإسلامية، ودفع الظلم والحيف عن أهلنا وإخواننا، بعد التفاف الأفعى الصفوية على رقاب المسلمين". التعريف ينطلق من لحظة تأسيسية قبل 14 قرناً، زمن الخلافة الأول، واللحظة المنشود استعادتها. ويحدد النقيض-العدو في الهيمنة الإيرانية-الشيعية على المنطقة الإسلامية، في تماثل مسحوب تاريخياً مع الصفويين الفرس. التنظيم بذلك يُجسر الخلاف بين اللحظة الراهنة وعمقها التاريخي، وهو كنقضائه من القوى الشيعية المتطرفة، يستمد قوته من رفض الآخر المختلف.
 
أهمية الوثيقة تكمن في إدراجها بنوداً تأسيسية لعقد اجتماعي جديد، مستمد من العقيدة الإسلامية، وقراءتها السنيّة الجهادية. حيث ستكون معاملة الناس (من أهل السنة) "بما ظهر لنا منهم"، فلا "نأخذ أحداً بالظن والتهمة بل بالبينة والحجة الساطعة". يتضمن هذا البند طلباً جلياً من "الناس"، بالإقرار، بواقع سلطة الدولة-التنظيم وحاكميتها. تلك الحاكمية ستجعل الناس آمنين مطمئنين، فلا "رغد للعيش إلا في ظل حكم إسلامي يضمن للرعية حقوقهم، وينصف المظلوم ممن هضمه حقه". والوعيد لمن "صدّ وندّ وارتد" يتبع الشرط الأول، ويستكمله: عقاب من يخرج على حاكميتنا "حاكمية الإسلام"، هو الخروج من وصف الرعية، إلى حكم الردة.  

التماهي الذي يقيمه التنظيم مع الأمة الإسلامية، وقيادته لها، يؤكد على شموليتها الأصيلة؛ فزعيمها هو إمام المسلمين، والمسلمون رعاياها، والمال في الأرض هو مالها. داعش التي استولت على مئات ملايين الدولارات من بنوك الموصل، تعتبر أن الأموال التي كانت "تحت قبضة الحكومة الصفوية.. أمرها عائد إلى إمام المسلمين". الأمر يحمل بعداً استعلائياً ينسجم مع موقع السلطة المتخيلة التي تحلم بها داعش، كما يتضمن استعداءاً كاملاً لبقية القوى المشاركة في "تحرير الموصل". فمن يمد يده من بقية القوى إلى مال المسلمين "بنهب أو سلب" عرّض نفسه "للمثول أمام القضاء الشرعي". وسيتم التعامل مع "عصابات السطو المسلح" ممن يتجرأ مقاسمة داعش لثرواتها "على أنهم مفسدون في الأرض" وستطبق أحكام قرآنية منتقاة بحقهم. 

الوثيقة تحض الرعية، وتحث المسلمين على تأدية الصلوات في أوقاتها مع الجماعة، وتحرم الإتجار والتعاطي بالخمور والمخدرات والدخان وسائر المحرمات. وتعلن صراحة نيتها في هدم المراقد والمشاهد "الشركية". وتدعو النساء إلى "الحشمة والستر والجلباب الفضفاض"، والبقاء "في البيت وملازمة الخدر وترك الخروج إلا لحاجة". 

وتحذر من "مراجعة العمالة ومغازلة الحكومة" فالطريق بيّن وواضح، و"التائب من الذنب كمن لا ذنب له". داعش توارب باب التوبة، ولا تغلقه في وجه "المرتدين" من الجيش والشرطة و"بقية الأجهزة الكفرية"، أما من أصر على ردته "فليس له سوى القتل".

التسلط والفاشية سمات أساسية لم تبارح داعش في سوريا ولا في العراق، وهي مكونات أصيلة في بنيتها الفكرية، وتصورها المتخيل للعدالة الإلهية على الأرض. وعليه تُحرّم "المجالس والتجمعات والرايات بشتى العناوين وحمل السلاح"، عملاً بالحديث: "من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه". وفي البند الذي يليه يصبح "أمر الله بالجماعة والإئتلاف ونبذ الفرقة والخلاف، وكدر الجماعة خير من صفو الفرقة". الأمر ليس تناقضاً البتة، فالتأويل الداعشي لـ"أمر الله" يقوم على التماهي معه، وقلبه، ليصبح أمر داعش هو "أمر الله". وبذلك يصبح الانقسام والشقاق عنها "من فخاخ الشيطان". 

وبعد كل ما تقدم، تَعِدُ الدولة الإسلامية رعاياها، بأنهم سينعمون "في حكم إسلامي مقسط ووادع". فالسعادة ستعم "في حقبة الدولة الإسلامية وعهد الإمام أبي بكر القرشي"، كيف لا وهي التي اتخذت "الوحي المنزل منهجاً"؟
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2021