مؤتمر المركز العربي في مراكش: ما هي أدوار المثقفين؟

المدن

الأحد 22/03/2015
ركزت الجلسات العلمية لليوم الثالث والأخير من المؤتمر الرابع للعلوم الاجتماعية والإنسانية والذي يعقده "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات" في مراكش، بين 19-21 آذار/مارس، على الأدوار المنتظرة من المثقفين العرب في السياق الراهن، وذلك إزاء قضايا التجديد الديني، وتحديات الاستعمار الجديد، وأسئلة الهوية العربية، في الوقت الذي اهتمت الجلسات المخصصة للجامعات والبحث العلمي على الأدوار المجتمعية لهذه الأخيرة، في استنبات الحداثة والديمقراطية.

كما أعلنت لجنة الجائزة العربية للعلوم الاجتماعية والإنسانية عن موضوعي التنافس للعام 2015/2016.

ميلاد جديد للمثقف

شمل برنامج اليوم الثالث والأخير من المؤتمر السنوي الرابع للعلوم الاجتماعية والإنسانية جلسة عامة قدمت فيها محاضرتان تأسيسيتان في موضوعي المؤتمر: "أدوار المثقفين في التحوّلات التاريخية"، و"الجامعات والبحث العلمي في العالم العربي".

في موضوع المثقفين والتحوّلات التاريخية، وانطلاقا من مفهوم "الهيجيمونية"، نبّه المفكر المغربي، بنسالم حمّيش، إلى خطورة الإرث الاستعماري، الذي وإن انتهى في شكله المباشر والعملي، فقد استمر بشكل غير مباشر، في تفكيك البنى الثقافية للأمة العربية. ورأى أن مهمة المثقف الملتزم بقضايا أمته هي التصدي "للمثقفين المزيفين"، والتوعية بخطورتهم.

يرى حمّيش أن من وظائف المثقف الاضطلاع بمهمة الفكر والنقد في الوقت نفسه، فالمثقف لا يكون إلا "مفكرا ناقدا"، على اعتبار أن من وظائف الثقافة كذلك "الإسهام في مجتمع المعرفة، وتقوية دعائمه"، لكن من موقع المجتمع المدني وليس من موقع السلطة. وقال إن المثقف "يحسن به أن يكون ذلك الصوت الآخر"، مشيرا إلى أن المفكر "إدوارد سعيد" مثّل "ذلك أحسن تمثيل". لأن رفض عمليا وبصوت عال "المواقف الملتبسة، والتعابير السهلة، وجهر بكل ذلك في وجه السلطة المهيمنة".

وبعد أن عقّب على الإنتاج الفكري والرمزي ذي الروح والغايات الاستعمارية، مثل أطروحة صدام الحضارات لصاحبها "صامويل هينتغتون"، وزمرة من المثقفين في الغرب، الذين اتخذوا مواقف معادية لقضايا المسلمين، كما هو الشأن بالنسبة إلى الأميركي "برنارد لويس"، حدّد حمّيش مهمة النخب العربية الملتزمة بقضايا أمتها في إعادة الاعتبار لهويتها، ولغتها العربية، والتصدي للتهجمات التي يضطلع بها المثقف "الحرْكي"، بوصفه أداة في خدمة غايات الاستعمار الجديد.

وشكلت الأفكار التي عبّر عنها حمّيش تتويجا لجدالات ونقاشات عديدة خلال جلسات المؤتمر، تساءلت بعمق عن مكانة المثقف ودوره في الوطن العربي، وفي خضم التحولات الكبرى التي يشهدها العالم العربي عامة، وإثر ثورات الربيع العربي خاصة.

وكان لافتا التأكيد على أن دور المثقف العربي منوط بمدى تموقعه في قلب المعاناة العربية، والتزامه بقضايا أمته المجتمعية، أدبيا ومعنويا. بعيدا عن الانتماءات الضيقة للعصبيات، سواء كانت انتماءات عشرية أو حزبية أيديولوجية أو طائفية، والتي قد تصبح حاجزا له عن الفهم الموضوعي للقضايا الحقيقية.

وأكدت بعض الآراء على انتقاد انعزالية بعض المثقفين، فمع انتشار التعليم وتعقده، وما أوجبه من تخصصية برز مثقفون تقنيون عازفون عن الفعل الاجتماعي، أو منغمسون في وسائل التفاعل الاجتماعي. في المقابل برز رأي ثان خلال المؤتمر، دعا إلى تجاوز الأحكام التبسيطية حول المثقف، ومنها تلك التي تقول بموته، واعتبر أن التكنولوجيا الحديثة وفرت مبشرات بميلاد جديد لمثقف عمومي منحاز لقضايا الثورة وناقد أو موجه لها، منطلقا في ذلك من اتساق أخلاقي ومهني.


تنمية الابتكار يتطلب التربية عليه

في موضوع الجامعات والبحث العلمي في العالم العربي، قدّم الدكتور وائل بنجلون، رئيس جامعة محمد الخامس بالرباط، تصورا متكاملا من أجل نهضة الجامعات العربية والبحث العلمي فيها، انطلاقا من ثلاث وظائف رئيسية للتعليم الجامعي، حددها في المعرفة والمعلومة والابتكار.

ودعا بنجلون، من أجل ذلك، إلى العمل عبر ثلاثة مسارات متكاملة، الأول يتعلق بترسيخ مبادئ الحكامة، التي تتمثل، حسب بنجلون، في تكريس الاستقلالية الذاتية للجامعات، ومنحها الحق في التصرف في ممتلكاتها، وفي تدبير التعليم الجامعي برامجا وتدريسا وتوظيفا، وبناء علاقات بحثية وعلمية مع محيطها القريب والبعيد، وذلك ضمن إستراتيجية البحث العلمي الوطنية.

المسار الثاني الذي ركز عليه بن جلون متعلق بالتمويل الكافي، ودعا إلى المزاوجة بين التمويل العمومي والخاص، وخاصة النهوض بالتمويل الوقفي، مشيرا إلى نظام الوقف موجود لكن لا يوجه بعد إلى التعليم والبحث العلمي.

المسار الثالث للنهوض بالتعليم الجامعي والبحث العلمي، يتطلب الاهتمام بالتعليم ما قبل الجامعي، وقال بنجلون إن تنمية القدرة على الابتكار، الذي هو من شروط العصر، أن يتم التربية على الابتكار واستخدام التكنولوجيات الحديثة منذ الصغر، وبالضبط في سنوات التعليم الأولى (الحضانة)، في حين أن هذا التعليم لا زال لحد الآن خارج اهتمام الدولة الذي فوتته إلى القطاع الخاص.

وانضافت اجتهادات وائل بنجلون إلى خلاصات الجلسات العلمية للمؤتمر، التي أجمعت على أن تحقيق نهضة جامعية وبحثية علمية في الوطن العربي تتطلب تضافر ثلاثة عوامل متكاملة: الأول يتعلق بالإرادة السياسية التي تقتضي وجود مشروع مجتمعي متكامل، للجامعة دور محدد في تنمية البحث والابتكار، بما يجعلها قاطرة للتنمية الاقتصادية والمجتمعية. الثاني يتمثل في توفير التمويل الذاتي للجامعات، الأمر الذي يقتضي منح هذه الجامعات الاستقلالية الذاتية عن السلطة، وفسح المجال للقطاع الخاص، ونظام الوقف في تمويل الجامعات ودعم أدوارها المعرفية والبحثية وتشجيع الابتكار. الثالث تشجيع الجامعات للتحول نحو أقطاب كبرى جامعية متخصصة، على غرار ما هو معمول به في جامعات دولية كبرى، وذلك لمسايرة التطور الذي ينتظر من الجامعات كفاءات قادرة على تنمية الابتكار وإذكاء روح التنافسية.

وقد تواصلت الجلسات العلمية خلال اليوم الثالث من أشغال المؤتمر الرابع للعلوم الاجتماعية والإنسانية، من خلال أربع جلسات علمية: اثنتين في محور أدوار المثقفين حول "المثقف في السياق العربي الإسلامي"، و"المثقف والثورات العربية"، فيما تركز الجلستين الخاصتين بموضوع الجامعات على "الأدوار المجتمعية للجامعات في الوطن العربي"، وجلسة خاصة بالجامعات في تونس.

واختتمت أعمال المؤتمر بجلسة عامة نقاشية أشرف عليها الدكتور نديم روحانا، المدير العام للمركز العربي للدراسات الاجتماعية التطبيقية "مدى الكرمل"، وفتح فيها المجال للمشاركين في المؤتمر لتلخيص نقاشات جلساته والتركيز على أبرز الأفكار التي أثيرت خلالها.

يذكر أن الجلسات العلمية للمؤتمر الرابع للعلوم الاجتماعية والإنسانية تواصلت طوال ثلاثة أيام من 19 إلى 21 آذار/مارس 2015، وذلك في موضوعي المؤتمر بشكل متوازي وفي الوقت نفسه، وتحدث فيه مفكرون وباحثون عرب، وقد تلى اختتام المؤتمر حفل توزيع الجائزة العربية للعلوم الاجتماعية والإنسانية.

وتعدّ هذه المرة الأولى التي ينظم فيها المؤتمر في المغرب، وسبق أن عقدت دورته الثالثة في تونس العام الماضي، في حين نظمت دورتيه الأولى والثانية في الدوحة بقطر حيث المقر الرئيس للمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. ويعتزم القائمون على المؤتمر في المركز العربي تنظيم المؤتمر نفسه في دول أخرى.

حفل توزيع جوائز الدورة الرابعة

وأعلنت لجنة الجائزة العربية للعلوم الاجتماعية والإنسانية في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات عن موضوعي الجائزة للعام الأكاديمي المقبل 2015-2016، الأول عن "إشكالية الحرية في الفكر العربي المعاصر"، في حين يتعلق الموضوع الثاني بـ"المدينة العربية وتحديات التمدين". وجرى الإعلان خلال حفل توزيع الجائزة العربية الذي أقيم السبت 21 آذار/مارس 2015، في مراكش بالمغرب في اختتام أعمال المؤتمر السنوي الرابع للعلوم الاجتماعية والإنسانية الذي دام ثلاثة أيام. وتعدّ الجائزة العربية للعلوم الاجتماعية والإنسانية الأكبر والأهم في العالم العربي، إذ تبلغ القيمة الإجمالية لفئات الجائزة المختلفة 220 ألف دولار، وتمنح ثلاث جوائز للباحثين المشاركين ببحوث غير منشورة في كل واحد من الموضوعين اللذين تحددهما لجنة الجائزة كل سنة، كما تمنح ثلاث جوائز أخرى في كل واحد من الموضوعين للأبحاث التي ينشرها باحثون عرب في الدوريات المحكمة العربية والأجنبية.



افتتح حفل توزيع الجائزة، الذي أدار فقراته محمد جمال باروت، الباحث المشارك في المركز العربي، بكلمة لسعيد أمزازي، رئيس جامعة محمد الخامس بالرباط التي شاركت المركز العربي للأبحاث ودعمته في تنظيم المؤتمر السنوي للعلوم الاجتماعية والإنسانية في دورته الرابعة بمراكش، وتربطها مذكرة تعاون بالمركز العربي. وأكد أمزازي على أهمية النهوض بالبحث العلمي والابتكار في الوطن العربي، وتثوير الأدوار التاريخية للمثقف العربي إزاء المحنة العربية الراهنة، لربح رهان التقدم والحداثة.

وقد تناول الكلمة، إثر ذلك، رئيس لجنة الجائزة في دورتها الخامسة للعام الأكاديمي 2015/2016، المفكر العربي وجيه كوثراني الذي ذكّر بسياق إطلاق المركز العربي لهذه الجائزة، ورهاناتها، إذ إن موضوعات الجائزة تحيل على إشكالات مجتمعية عربية، مترابطة في ما بينها، وتسعى لإشراك الباحثين العرب في تقديم الأجوبة الممكنة بشأنها.

وقدّم كوثراني محضر اجتماع لجنة الجائزة بشأن نتائج الدورة الرابعة (2014/2015)، وسلمّ الفائزين جوائزهم كل من الدكتور طاهر كنعان، رئيس مجلس إدارة المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، والدكتور عزمي بشارة، المدير العام للمركز، والدكتور كمال عبد اللطيف رئيس لجنة الجائزة في دورتيها الثالثة والرابعة. وبينما حجبت اللجنة الجائزة الأولى في موضوع "أدوار المثقفين في التحولات التاريخية"، فإن الجائزة الثانية، وقيمتها 15 ألف دولار، عادت للباحث التونسي علي صالح مومن مولى عن بحث بعنوان: "هل من حاجة اليوم إلى مثقف هووي؟ بحث في تراجع الأدوار التقليديّة ونظرٌ في البدائل". وفاز بالجائزة الثالثة، وقيمتها 10 آلاف دولار، كل من إبراهيم القادري بوتشيش عن بحث بعنوان: "سؤال تجديد أدوار المثقف في ضوء تحولات الربيع العربي: دور التواصل الشبكي والميداني كخيار إستراتيجي"، وحسن طارق عن بحث بعنوان: "المثقف والثورة -الجدل المُلتبس: محاولة في التوصيف الثقافي لحدث الثورة"، وكلاهما خريج الجامعات المغربية.

أما بخصوص الموضوع الثاني المتعلق بالجامعات والبحث العلمي في العالم العربي، فقد فاز البحث المشترك بين نضال المصري ومحمد الآغا، من فلسطين، بالجائزة الأولى عن بحثهما بعنوان: "إطار مقترح لتطبيق إستراتيجية إدارة المواهب البشرية لتحقيق التميز البحثي في الجامعات الفلسطينية في ضوء مجتمع المعرفة". ومنحت اللجنة الجائزة الثانية للباحث المغربي محمد فاوبار، عن بحث بعنوان: "مختبرات العلوم الإنسانية وسيرورة تأسيس الجماعة العلمية بالجامعة المغربية بين الفرص والمعيقات: محاولة في سوسيولوجيا العلوم الإنسانية". وقد عادت الجائزة الثالثة، في الموضوع نفسه، مناصفة إلى كل من الباحث عامر دقو من سورية عن بحث بعنوان: "العلاقة بين التعليم الجامعي والديمقراطية في الوطن العربي من خلال نتائج استبيان الباروميتر العربي – الجولة الثانية"، والباحث علام حمدان من فلسطين عن بحث بعنوان: "الطريق نحو الجامعات البحثية عالمية المستوى: دراسة شمولية في الجامعات العربية".

وقد أحدثت الجائزة العربية للعلوم الاجتماعية والإنسانية منذ دورتها الثالثة (2013/2014) نوعًا جديدًا من الجوائز خصصته للأبحاث النوعية التي ينشرها باحثون عرب في الدوريات العربية والأجنبية، وتعطى فيها أولوية المشاركة للبحوث التي تدخل ضمن موضوعي الجائزة أو القريبة من مجالهما.

وقد فاز بالجائزة الثانية بالنسبة للأبحاث المنشورة في الدوريات العربية، الباحث المغربي سعيد الصديقي عن بحث بعنوان: "الجامعات العربية وتحدي التصنيف العالمي: الطريق نحو التميز"، في حين حجبت اللجنة الجائزتين الأولى والثالثة.

أما بخصوص جائزة الأبحاث المنشورة في الدوريات الأجنبية، فقد فاز بالجائزة الأولى، وقيمتها 15 ألف دولار، الباحث العراقي، حارث الدباغ، عن بحث نشره باللغة الفرنسية بعنوان:" القانون المقارن أداة للتحديث: مثال التشريعات المدنية في الدول العربية بالشرق الأوسط"، وفاز بالجائزة الثانية الباحث المصري، مصطفى مكاوي، عن بحث نشره باللغة الإنكليزية بعنوان: "مسؤولية السياحة في العشوائيات: التجربة المصرية"، أمّا الجائزة الثالثة، فقد فازت بها الباحثة المغربية، زينب البرنوصي، عن بحثها المنشور باللغة الإنكليزية بعنوان: "سياسات الكرامة لما بعد الاستعمار: من تأميم السويس سنة 1956 إلى ثورة العام 2011 بمصر".




©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2020