البربرية الروسية في حلب.. تعوض الخسائر البرية للنظام

خالد الخطيب

السبت 31/10/2015
تعرضت مناطق سيطرة المعارضة في حلب وريفها، الجمعة، لقصف جوي هو الأعنف على الإطلاق، منذ بدأت الحملة الجوية للطيران الروسي بعد دخوله الحرب إلى جانب قوات النظام والمليشيات الطائفية، مطلع تشرين أول/أوكتوبر. مشهد دموي خلفه القصف الذي بدأ فجر الجمعة، واستمر حتى ساعة متأخرة من ليل الجمعة/السبت، ما تسبب في مقتل 60 شخصاً على الأقل وجرح 200 من المدنيين، بالإضافة إلى تدمير كتل سكنية بأكملها وأبنية طابقية في عدد من الأحياء الخاضعة لسيطرة المعارضة في القسم الشرقي من مدينة حلب.

في الأحياء الخاضعة لسيطرة المعارضة المسلحة لا صوت يعلو على هدير الطائرات الروسية وصفارات الإسعاف و"الدفاع المدني" إلا صراخ الثكالى والأطفال وهم مضرجون بدمائهم لحظة إخراجهم من تحت أكوام الركام، التي كانت منازل حولتها الصواريخ والقنابل الروسية أثراً بعد عين على رؤوس سكانها الفقراء.

20 شخصاً لقوا مصرعهم في حيي الكلاسة والمغاير، على خلفية قصفهما بصاروخين شديدا الانفجار. عائلات بأكملها قضت. نصف أعداد القتلى هم من الأطفال الذين تراوحت أعمارهم بين السنة والعشر سنوات، أغلبهم فقد ملامحه بعد أن تحولت أجسادهم أشلاء وبقايا بشرية جمعها عناصر "الدفاع المدني" من تحت الأنقاض وبقايا المنازل المدمرة. كما تم توثيق إصابة خمسين شخصاً على الأقل جراح بعضهم خطرة أدت لبتر أطرافهم.

حي الفردوس هو الآخر كان على موعد مع مجزرة مروعة خلفها قصف المقاتلات الروسية للسوق الرئيسي في الحي، ما أدى إلى مقتل 18 شخصاً وجرح عشرين. وبقيت فرق الإنقاذ تنتشل الضحايا حتى ساعة متأخرة من ليل الجمعة/السبت، نظراً للدمار الواسع الذي خلفته الغارات الجوية بالصواريخ والقنابل. كما قصف الطيران أحياء ومواقع متفرقة في حلب؛ كصلاح الدين وكرم النزهة والميسر والعامرية والشعار والصاخور والشيخ سعيد وتل الزرازير وكرم الطراب والمرجة، ما تسبب في مقتل عشرة أشخاص على الأقل، سبعة منهم قتلوا في حي صلاح الدين الذي طاله القصف بغارتين جويتين.

في السياق، طال قصف المقاتلات الحربية الروسية أيضاً أرياف حلب الخاضعة لسيطرة المعارضة المسلحة؛ ففي ريف حلب الغربي طال القصف خان العسل بخمس غارات جوية استهدفت معامل أدوية تشرف على تشغيلها المعارضة ما أدى لاحتراقها ودمارها بشكل شبه كامل، كما قُصفت جمعية الكهرباء ومواقع تابعة للمعارضة المسلحة بالقرب من خطوط التماس في الراشدين ومحيط الأكاديمية العسكرية.

في ريف حلب الشمالي استهدفت المقاتلات الروسية كلاً من كفر حمرة ومنطقة أسيا وحريتان والملاح. كذلك تعرض ريف حلب الجنوبي لغارات جوية طالت المدن والبلدات القريبة من خطوط الاشتباك، بالقرب من خان طومان والزربة.

من جانب أخر، شهد ريف حلب الشرقي والذي يخضع لسيطرة تنظيم "الدولة الإسلامية"، قصفاً جوياً مكثفاً نفذه طيران النظام المروحي والطيران الحربي الروسي. واستهدف في القصف مدن وبلدات تادف والباب ومسكنة ومنبج والدانا، ما تسبب بوقوع ثلاث مجازر بحق المدنيين. الحصيلة الأكبر من عدد القتلى كانت من نصيب مدينة منبج التي قتل فيها 27 شخصاً على خلفية استهداف أبنية سكنية في محيط مقر عسكري تابع للتنظيم بغارتين، تلتها مدينة الباب وضواحيها حيث قتل فيها 25 شخصاً. كما شهدت القرى والبلدات الخاضعة للتنظيم بالقرب من مطار كويرس العسكري جنوب شرقي حلب غارات جوية على قرى تل أحمر والشيخ أحمد والجبول، وخطوط الاشتباك الأولى مع التنظيم بالقرب من مدينة السفيرة.

مدير "وكالة شهبا برس" مأمون الخطيب، أكد لـ"المدن" أن أكثر من 50 غارة جوية شنتها المقاتلات الروسية على مناطق سيطرة المعارضة في حلب وريفها، بالإضافة الى عشرين غارة على الأقل على مناطق ريف حلب الشرقي التي تخضع لسيطرة تنظيم "الدولة الإسلامية". وأشار الخطيب إلى أن القصف الجوي نفذته أكثر من خمس طائرات حربية روسية متطورة على مدار 24 ساعة الماضية. والقصف هو الأعنف على الإطلاق، ويأتي في ظل فشل قوات النظام والميليشيات الطائفية في إحراز أي تقدم على الأرض في ريف حلب الجنوبي وجبهات القتال الأخرى. ولفت الخطيب إلى أن 90 في المئة من الغارات الروسية التي استهدفت حلب طالت المدنيين، ولم تكن تستهدف مقرات أو ثكنات عسكرية تابعة للمعارضة كما يزعم الروس كاذبين. ما تسبب في وقوع ست مجازر معظم ضحاياها من الأطفال والنساء.

غارات المقاتلات الروسية على حلب، رافقها قصف مدفعي وصاروخي من قبل قوات النظام المتمركزة في الأحياء الغربية من المدينة. واستهدف القصف المدفعي والصاروخي المواقع التي طالها القصف الجوي الروسي بغرض إيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا.

أهل حلب عاشوا يوماً روسياً بربرياً بامتياز، حيث كان أصبح المدنيون من الأطفال والنساء والشيوخ هم أهداف المقاتلات الروسية.

وعلى وقع الحرب الجوية الروسية، شهدت جبهات حلب وريفها معارك عنيفة توزعت على محاور متعددة. ففي ريف حلب الجنوبي شهدت جبهات خان طومان والحميرة والقراصي والسابقية، اشتباكات عنيفة بين قوات النظام والميليشيات الطائفية من جهة وفصائل "غرفة عمليات فتح حلب" من جهة ثانية والتي تمكنت من تدمير ثلاث آليات ثقيلة لقوات النظام، وقتل 10 من عناصر القوات المُهاجمة بينهم عناصر تابعين للميليشيات الإيرانية. كما شهدت جبهات غربي حلب؛ في حلب الجديدة والفاميلي هاوس، اشتباكات عنيفة بين المعارضة وقوات النظام المدعومة بمليشيا "لواء القدس الفلسطيني" و"حركة النجباء العراقية"، لم تسفر عن أي تغير على الأرض. كما دارت اشتباكات متقطعة على جبهات سيف الدولة وصلاح الدين وجمعية الزهراء وفي حلب القديمة، كان أعنفها بالقرب من ساحة الحطب الأثرية في قلب المدينة القديمة.

وفي السياق، عاودت المعارضة المسلحة مهاجمة معاقل قوات النظام والميليشيات المتحصنة في معمل الإسمنت ومعمل الغاز، في حي الشيخ سعيد والراموسة. وتمكنت المعارضة من التقدم في مواقع بالقرب من معمل الغاز ودمرت مدرعتين لقوات النظام واغتنمت واحدة بالإضافة لقتل عدد من عناصر قوات النظام والميليشيات. وخسرت المعارضة عدداً من مقاتليها، بعد تعرضهم لقصف مركز بالبراميل المتفجرة، التي ألقاها الطيران المروحي على خطوط الاشتباك الأولى.

عضو المكتب الإعلامي في "جيش المجاهدين" عبدالفتاح الحسين، أكد لـ"المدن" أن استراتيجية "غرفة عمليات فتح حلب" نجحت بالفعل في الآونة الأخيرة، بعدما وزعت ثقلها العسكري على مختلف جبهات المدينة والريف، ضد قوات النظام والميليشيات التي كانت تشكل خطراً داهماً في الريف الجنوبي، باعتباره الجبهة الوحيدة التي كانت تشهد معارك طاحنة.

الحسين أشار إلى أن إجراء غرفة العمليات الأخير ساعد في تخفيف الضغط، وجرّ قوات النظام والمليشيات الطائفية، إلى المواجهة المباشرة، في جبهات حساسة، بالتزامن مع عمليات الجنوب. الأمر الذي أدى إلى فشل القوات الغازية في تحقيق المزيد من التقدم نحو أهدافها المرسومة،  وهو ما يفسر ردة الفعل القاسية من قبل النظام وحلفائه الروس والإيرانيين، المتمثلة في القصف الجوي والمدفعي الذي قتل العشرات خلال الساعات الماضية.
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2021