الاختفاء القسري في سوريا: سوق سوداء

ميساء نقشبندي

الإثنين 09/11/2015
أصدرت منظمة "العفو الدولية"، الخميس الماضي، تقريراً بعنوان: "بين السجن والقبر حالات الاختفاء القسري في سوريا"، عُرِّف فيه "الاختفاء القسري" بحسب "الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص" بحدوث أي شكل من أشكال الحرمان من الحرية، مرتكباً على أيدي موظفي الدولة أو من يتصرف بموافقتها؛ ليعقبه إخفاء مصير الشخص.

هناك 65116 معتقل سوري بحسب "الشبكة السورية لحقوق الإنسان" بينهم 58148 مدنياً، تعرضوا للاخفاء القسري، من قبل النظام السوري، خلال الفترة ما بين آذار/مارس 2011 وآب/أغسطس 2015. الأمر الذي يؤدي بدوره إلى تصنيف النظام السوري كـ"مجرم ضد الإنسانية"، فهذه ببساطة هي قوانين الاعتقال في سوريا.

يذكر التقرير أن هذه العمليات الممنهجة بقوانين يعرفها جميع العاملين في مخابرات الدولة وأجهزة أمنها، من المحتمل أن تكون قد تسببت بظهور سوق سوداء على هامش منظومة الاختفاء القسري في سوريا. وتعلق الناشطة في قضايا معتقلي الرأي في سوريا، رافيا، أن ذلك ليس باحتمال، وإنما هو واقع تتعامل معه آلاف الأسر منذ ما لا يقل عن ثلاثة أعوام. فحجم التهمة وتورط مرتكبها الافتراضي لا تنفع إلا بزيادة أو إنقاص ما يجب دفعه ولمن. والتحقيق مع المعتقل وطريقة تعذيبه يتناسبان طرداً وقدرة الأهل على الوصول إلى السمسار المناسب وأداء المبلغ المطلوب بالسرعة الكافية. فـ"قانون الإرهاب" الذي يُحاكم بحسب نصوصه معتقلو المعارضة، أشبه بمزحة حقوقية تمتط موادها لتتلبس من كان فقيراً وتتقلص لتتفادى من يدفع أكثر، حسب رافيا التي اعتقلت مرتين لنشاطها في زيارة المعتقلين في السجن المركزي، لتقدم بعض العون المادي لفقراء المعتقلين المنسيين.

خرجت رافيا من المعتقل بعدما دفع أهلها نصف مليون ليرة سورية للمحقق المسؤول عن قضيتها، كي يتهاون في تحقيقه، أي لا يستخرج منها الاعترافات عنوة بالضرب، وكي يسمح لها بشراء شامبو للقمل، من أماناتها المالية لدى الفرع الأمني المعتقلة فيه. كما دفع أهل رافيا نصف مليون ليرة للقاضي في "محكمة الإرهاب"، كي لا يستسهل توقيفها في السجن، كما اعتاد أن يفعل مع مئات لم يمتلكن حظها، وعلاقات أهلها وقدرتهم على دفع تكاليف إنقاذها. في حين يترك النظام المئات من المعتقلين، استهتاراً وطمعاً بصفقة مربحة، ما يجعل من فقر السوري سبباً إضافياً لبقائه في السجن.

تتعامل رافيا غالباً مع أبو خضر، المتطوع في أحد فروع الأمن وسمسار المعتقلين ومن "عليهم شيء" خارج أوقات الدوام. ويساعد أبو خضر، رافيا، في خدمات متنوعة، أولها "التفييش" وهو التأكد من أن المواطن غير مطلوب من فرع ما، وتتراوح تسعيرته اليوم مابين ثلاثة آلاف ليرة سورية وعشرة، حسب مصدره جنائي أم هجرة، وحسب نقله شفوياً أو مطبوعاً. ويكاد "التفييش" يصبح سلوكاً يقوم به الكثيرون روتينياً وتحسباً لتشابه أسماء أو أي مصادفة قد تدفع بهم إلى غياهب معتقلات "الداخل إليها مفقود والخارج منها مولود".

ويقدم أبو خضر كذلك خدمة معرفة مكان المعتقل، وتتراوح تسعيرتها بين بضعة عشرات من الآلاف إن كان في الجنائية أو السياسية، ويعلو الرقم للتأكد من وجوده في فروع أكثر رعباً كالعسكري أو الجوي. وبإمكانه أحياناً المساعدة في معرفة مسار التحقيق والتأثير بدرجة التعذيب حسب المحقق وعدد الجلادين؛ فبعض المحققين "لقمتهم كبيرة" بحسب ما يقول أبو خضر. هنا تنتهي قدرات أبو خضر، الذي يزعم أنه يقوم بهذا العمل تعاطفاً مع أهالي المغيبين، وأن ما يصله هو من الجمل أذنه، فيما يباهي بسيارة الدفع الرباعي الحديثة التي اقتناها منذ فترة قصيرة.

بعدها يأتي دور المحامين السماسرة، الذين يحبون أن يفيدوا ويستفيدوا حسب الأستاذ سمير أحد المحامين المختصين في قضايا "الإرهاب". وسمير يستطيع أن يعلم تسعيرة كل قاضٍ في المحكمة، زاماً شفتيه عند اعترفه بعدم معرفة "مفتاح" أحد القضاة، ما يُعيق الوصول إلى مرحلة الرشوة، دون معرفة الشخص الموثوق من قبل المرتشي، فالوشايات كثيرة. فرجال الأمن والقضاء يخشون بعضهم، كيف لا؟ والمنافسة على مناصب باتت تعرف بأسعارها والثروات اليومية التي تجمعها.

يذكر تقرير المنظمة الدولية، شهادات من معتقلين سابقين وأهالي مفقودين، لكنها تعتبر قليلة بالنسبة لحجم المصيبة التي تمس الكثير من بيوت السوريين، كما أنها قديمة بالنسبة لهم. فقصص كتلك هي جزء من يوميات الآلاف، يحكيها بقال الحي وزميل العمل وحتى سائق سيارة الأجرة إن ائتمن جانب زبونه. كل السوريين يعلمون من هو نظامهم وكمّ طغيانه، وأكثرهم معرفة بذلك هم رجال الأمن أنفسهم، كما يقول أبو خضر، لكنهم اعتادوا هذا الظلم حتى بات القاعدة وغدت الإنسانية كذبة ينكرون وجودها في هذا العالم أصلاً.

وتناشد "العفو الدولية" في ختام تقريرها النظام السوري بوقف ما يمارسه من "عمليات الاختفاء القسري والاعتقال التعسفي والتعذيب وغير ذلك من ضروب المعاملة السيئة والإعدام خارج نطاق القضاء، وتطلب منه منح المراقبين الدوليين المستقلين الإذن دون عائق بزيارة جميع المحرومين من حريتهم والسماح لهم بالتحقيق ومراقبة الأوضاع داخل منشآت الحجز وإعلام عائلات الأشخاص المحتجزين في عهدة السلطات بمصيرهم وأماكن تواجدهم واستقبال جميع الطلبات المقدمة بهذا الخصوص".

ويرى أبو خضر أن النظام وفى بمتطلباته تلك في وقت سابق، لكنه اقتاد المراقبين إلى سجون اختارها بزيارات مرتبة جداً، حتى أنه وضع كمبيوترات للمساجين في إحدى المنشآت، إمعاناً في تفريغ كل مطلب عادل من معناه ليتعزز فقدان أي احساس بالجدوى. وتبدو مطالبات "العفو الدولية" بالنسبة لرافيا، رفاهية لا تتجرأ على الحلم بها، فلو كان النظام يفكر هكذا ما قامت ثورة ضده، كيف وهذه السياسة الممنهجة هي سبب عيش السوريين في مملكة الخوف والصمت عقوداً. يشاركها ذات الرأي مدير "برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا" فيليب لوثر، معلقاً على التقرير بوصفه ما يحدث في سوريا بحملة منظمة صممت لنشر الرعب بين الناس وسحق أدنى بادرة على معارضة النظام في أنحاء البلاد.

تهيب منظمة "العفو الدولية" بمجلس الأمن بالإقرار بوجود حملة شاملة ومنهجية من الاختفاء القسري تنفذها الحكومة السورية وإدانتها، وتطالب المبعوث الأممي كما طالبه عشرات الأفراد والهيئات الحقوقية سابقاً بإعطاء الأولوية لمسألة الاختفاء القسري وظروف الاحتجاز أثناء المحادثات التي يعقدها مع السلطات السورية وغيرها من الأطراف المعنية بالأوضاع في سوريا.

ورغم أن المنظمة لطالما ذكرت الاعتقال في تقارير سابقة، إلا أنها اليوم تطلق حملة واسعة موجهة للرئيس الأسد مباشرة، تخاطبه فيها بـ"فخامة الرئيس"، وتطالبه بالسماح لمراقبين مستقلين بدخول البلاد وتفقد السجون. وربما تحاول المنظمة إعادة الاهتمام بواحد من أثقل الملفات العالقة في الشأن السوري، وقد يكون الأكثر جوهرية وإلحاحاً وتعبيراً عما تعنيه الجنسية السورية بالنسبة للسوريين: حياة وكرامة، قد تسحق أي لحظة تحت أرجل من يسمون سخرية: رجال الأمن.
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2021