النازحون في إدلب.. عالقون بين العنف والخوف والمجهول

المدن - عرب وعالم

الخميس 08/04/2021
من بين ملايين السوريين الذين فروا مع قصف الحكومة لبلداتهم ودُمرت منازلهم وقُتل أحباؤهم، هناك 150 عائلة تعيش في ملعب لكرة القدم في مدينة إدلب، تحتمي في خيام متهالكة تحت المدرجات أو في الفناء الصخري، بحسب تقرير لبن هابرد مدير مكتب صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية في بيروت.

فرص العمل نادرة والإرهاب يسيطر عليهم كلما أغارت الطائرات فوق رؤوسهم. يمكن أن تحصل غارات جوية جديدة في أي وقت. لكن الخوف من انتقام الحكومة يمنعهم من العودة إلى ديارهم. أكثر من 1300 مخيم مماثل تنتشر في آخر معاقل سوريا الخاضعة لسيطرة المتمردين، تلتهم الأراضي الزراعية، وتمتد على طول قنوات الري، وتملأ الكثير من الأراضي المجاورة للمباني السكنية حيث تعيش عائلات اللاجئين في وحدات سكنية مدمرة بلا نوافذ.

ويقول مدير المعسكر في ملعب كرة القدم عقبة الرحوم ل"نيويورك تايمز": "سيبقى النازحون في هذه الأماكن مع كل الكوارث على أن يذهبوا للعيش في ظل نظام بشار الأسد".

في زيارة نادرة لمحافظة إدلب، كثرت الأمثلة على أناس مصدومين وفقراء محاصرين في ردهة غامضة وعنيفة في كثير من الأحيان. وهم عالقون بين جدار لمنعهم من الفرار عبر الحدود القريبة مع تركيا وحكومة معادية يمكن أن تهاجمهم في أي لحظة، وهم يكافحون لتأمين الاحتياجات الأساسية في منطقة تسيطر عليها جماعة مسلحة كانت مرتبطة سابقاً بتنظيم "القاعدة".

في العقد الذي انقضى منذ اندلاع الحرب في سوريا، سحقت قوات رئيس النظام بشار الأسد المجتمعات التي ثارت ضده، وهرب ملايين الأشخاص إلى حياة جديدة -يسودها انعدام اليقين- في البلدان المجاورة وأوروبا وجيوب سورية خارج سيطرة الأسد، بما في ذلك الشمال الغربي الذي يسيطر عليه المتمردون.

كان الأسد واضحاً بأن هؤلاء الأشخاص لا يتناسبون مع مفهومه للنصر، ومن المرجح أن يعود قلة منهم طالما بقي في السلطة، مما يجعل مصير النازحين من أصعب المعضلات في أعمال الحرب غير المكتملة.

ويسأل نائب منسق الأمم المتحدة الإقليمي للشؤون الإنسانية لسوريا مارك كاتس: "ما هو مستقبل هؤلاء الناس؟. ويضيف ل"نيويورك تايمز": "لا يمكنهم الاستمرار في العيش إلى الأبد في الحقول الموحلة تحت أشجار الزيتون على جانب الطريق".

طوال فترة الحرب، أصبح الشمال الغربي الذي يسيطر عليه المتمردون الملاذ الأخير للسوريين الذين ليس لديهم مكان آخر يذهبون إليه. نقلتهم الحكومة بالحافلات بعد احتلال مدنهم. دخلوا في شاحنات مكدسة بالبطانيات والفرش والأطفال. وصل بعضهم سيراً على الأقدام ومعهم القليل من الممتلكات إلى جانب الملابس التي كانوا يرتدونها.

في 2020، دفع هجوم شنّه نظام الأسد، بدعم من روسيا وإيران، ما يقرب من مليون شخص إلى تلك المنطقة. وفرّ حوالي 2.7 مليون من أصل 4.2 مليون شخص في الشمال الغربي، وهو واحد من آخر شريطين من الأراضي التي تسيطر عليها حركة المتمردين. وقد حول هذا التدفق قطاعاً رعوياً من القرى الزراعية إلى تجمع كثيف من المستوطنات المؤقتة ذات البنية التحتية المتهالكة والأسر النازحة محشورة في كل مساحة متاحة.

بعد أن استنزف القتال مسقط رأسه، فرّ أكرم سعيد، وهو ضابط شرطة سابق، إلى قرية قاح السورية بالقرب من الحدود التركية عام 2014 واستقر على قطعة أرض تطل على بساتين الزيتون في وادٍ مجاور. وشاهد منذ ذلك الحين موجات من مواطنيه تتدفق على هذا الوادي، حيث تفسح أشجار الزيتون الطريق إلى مخيم مكتظ. ويقول سعيد: "في العام الماضي، انتهى المطاف بكل سوريا هنا... الله وحده يعلم ما سيأتي في المستقبل".

كافحت المنظمات الإنسانية التي تعمل على كبح الجوع والأمراض المعدية، بما في ذلك فيروس كورونا، للحصول على مساعدات كافية في المنطقة. وقد يصبح هذا الجهد أكثر صعوبة إذا منعت روسيا قرار الأمم المتحدة للتجديد هذا الصيف لإبقاء معبر حدودي واحد مع الشمال الغربي مفتوحاً للمساعدات الدولية.

وممّا يزيد من تعقيد المأزق الدولي بشأن مساعدة إدلب الدور المهيمن للجماعة هيئة تحرير الشام، لكن قادة الجماعة نأوا بأنفسهم علانية عن القاعدة في عام 2016، ومنذ ذلك الحين قللوا من أهمية جذورهم السلفية. كانت تلك الجهود واضحة في محيط إدلب، حيث غابت الأعلام والشارات والكتابات التي تعلن عن وجود التنظيم، على الرغم من أن السكان يشيرون إليها بحذر في كثير من الأحيان باسم "المجموعة التي تسيطر على المنطقة".

على عكس تنظيم "داعش"، لا تضغط تحرير الشام من أجل الإنشاء الفوري لدولة إسلامية ولا ترسل ضباط شرطة الأخلاق لفرض قوانين اجتماعية صارمة.

خلال جولة على مواقع الجماعة في الخطوط الأمامية، قام متحدث عسكري لقبه أبو خالد الشامي بنقل المراسلين على درج ترابي مخبأ في قبو إلى نفق طويل تحت الأرض يؤدي إلى شبكة من الخنادق ومواقع إطلاق النار مأهولة من قبل المقاتلين. وأشار من قلب الخنادق إلى أماكن تواجد النظام والروس والميليشيات الإيرانية.

عندما سُئل كيف اختلفت المجموعة عن سابقتها التي كانت امتداداً للقاعدة، قال إن تحرير الشام جزء من حركة التمرد الأوسع الذي يسعى للإطاحة بالأسد.
إدلب مطعم ديزني لاند
حكومة الإنقاذ غير مُعترف بها دولياً وتكافح من أجل تلبية الاحتياجات الملحة للمنطقة. لكن النقاد يرفضونها باعتبارها واجهة مدنية تسمح لمجموعة محظورة بالتفاعل مع المنظمات الأجنبية. يتهمونها ويتهمون تحرير الشام باحتجاز النقاد وإغلاق الأنشطة التي تتعارض مع آرائها الإسلامية المتشددة.

بينما يكافح النازحون في المنطقة للبقاء على قيد الحياة، يحاول الآخرون توفير الملذات البسيطة. في مدينة إدلب، يغري مطعم "ديزني لاند" الزائرين بتناول السلطات واللحوم المشوية، ونسيان مشاكلهم بألعاب الفيديو والسيارات والهوكي الهوائي وآلات مخالب الحيوانات المحشوة.

يتحول مخزن الطابق السفلي في المطعم إلى مأوى عندما تقصف قوات النظام في مكان قريب، وتمّت إحاطة الشرفة بأغطية بلاستيكية بدلاً من الزجاج حتى لا تتحطم على رواد المطعم إذا انفجر شيء ما في مكان قريب.
©جميع الحقوق محفوظة لموقع المدن 2021